Thursday

زواج المتعة - المقدمات والفصل الأول من الباب الأول

زَوَاجُ اَلْمُتْعَة

المحتويات
ملك الموت
ثلاث ليال
باب رضاع الكبير
الفصل الثانى: مداخلة توثيقية
الفصل الثالث: زواج المتعة والنص القرآنى

الباب الثانى: حوار حول المتعة
مقدمة
تنويعات هادئة فى حوار شائك


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقدمة الناشر
فِى رَثَاءِ مُفَكِّرٍ مَاتَ وَاقِفًا

... " الكتاب يدل عليه عنوانه" ... يمكن أن تكون تلك العبارة صحيحة.... إلا فى حالة هذا الكتاب, فملابساته ومدلولاته أكبر بكثير من أن يدل عليها عنوانه المرح, ومن الملابسات ـ وأسباب نشره أيضًا ـ أنه يصدر بعد فجيعة اغتيال مؤلفه شهيد حرية الكلمة والمعتقد د. فرج فودة.

عندما كان الرجل حيًا كنا نختلف ونتفق معه شأننا فى ذلك شأن كل المؤمنين بالحوار والتفاعل الفكرى طريقًا وحيدًا للعودة على مجرى التاريخ والانضمام إلى الجماعة البشرية .. ذلك المجرى الذى أخرجنا منه الاستبداد الشرقى والدكتاتوريات المتسربلة بفتاوى محترفى الدين, محرفى الكلم عن موضعه, والرسالات عن أهدافها, المفسرين بالهوى ويذهب المعز والريان والهدى والسعد وهبات البترول, مؤسسى الفاتيكان الإسلامى [ قال عنهم الإمام محمد عبده:
لكنه دين أردت صلاحه أحاذر أن تقضى عليه العمائم.
محمد رشيد رضا ـ تاريخ الأستاذ الإمام ـ المجلد الأول ص 1026 ].
حتى أضحوا وهدفهم الإيحاء لضحاياهم, من ضحايا الاستبداد والجهل والتخلف والميول الإجرامية, إن الدين كله يصبح لهم من دون الله, مدخلين الوطن الذى يحمل أقدم هوية فى التاريخ إلى أزمة هوية وظلام وحرب أهلية غير معلنة.

وبعد أن كنا نشهد تكفير الفكر وقتل الكتب بالمصادرة, نمت نبتة الشيطان وامتد القتل إلى المفكرين والكتاب وهكذا اغتالوا من وافق على الحوار معهم لأنه انتصر عليهم [ من كلمة د. احمد صبحى منصور فى حفل تأبين فرج فودة بنقابة الصحفيين يو 25 نوفمبر 1992 الذى أقامته المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ], وسيحاولون قتل كل من يختلف معهم أو يعتقد من قريب أو من بعيد, إنهم يحملون فكرًا يمكن مقارعته بالفكر, ذلك لأنهم إرهابيون بالأجر, وبالطموح السياسى الشره, وبالكراهية لكل " آخر", وبالعداء للحياة, تشهد عليهم عصبيتهم الهستيرية وخروجهم على آداب الحوار واكاذيبهم وتشويههم لخصومهم بكل الوسائل غير الشريفة, وعدائهم للديمقراطية وحقوق الإنسان, وشرائطهم الصوتية العنصرية الساذجة وكتبهم الفرحة بالقتل وتبرير الجريمة من نوعية كتاب " من قتل فرج فودة؟" , التى قال عنها الكاتب " على سالم" فى حفل تأبين فرج فودة : ( إنها المرة الأولى التى يُظهر فيها مصريون الفرح لموت إنسان ويسجلون ذلك فى كتاب).

ناهيكم عن جرّهم المجتمع إلى التدين السطحى والقضايا الوهمية والأصولية الشكلية التى غرقوا فيها حتى لحاهم, والنتيجة المنطقية بالطبع, وفى وجود القهر السياسى والاجتماعى, هى الوعى الزائف, والضمير المرتبك, والتدهور العقلى, وضياع معنى الحياة والانهيار العصبى الجماعى والفتن الوطنية, كل هذا فى مصر التى أنجبت أخناتون وفكرة الأبدية وتعاليم بتاح وديانة إيزيس والإمام الرائد الليث بن سعد والعلامة الصوفى ابن الفارض واحتضنت مريم العذراء السيد المسيح , ومرقس الرسول .. والاجتهاد الشيعى الذى أقام الأزهر الشريف, بكل ما يدل عليه ذلك من تنوع ورحابة التفكير, وكل ما يمكن أن يكون ثراء وتميزًا ثقافيًا وإنسانيًا لشخصية مصر.

ولأن الألم يجلب الألم فقد شهدت نفس الأرض قتل الكُتّاب بعد أن شهدت قتل الزعماء الوطنيين " أحمد ماهر ومحمود فهمى النقراشى ورجل القضاء المستشار الخازندار" بنفس الدوافع وعلى الأغلب بنفس المحرضين, ولن تتوقف تلك السلسلة من حلقات الإرهاب طالما كان بيننا من يحاول أن يشوه ضمير مصر وشخصيتها الفرعونية, القبطية, العربية, الإسلامية, البحر أوسطية, المنتمية بعبقريتها إلى كل التراث الإنسانى, ومن يحاول استبدال كل ذلك بالإسلام المسلح, البدوى, البترولى, محولين القصاص الدينى وبواسطة فقه القتل والخوف إلى أيديولوجية سياسية غامضة ومعادية للوطن, ماسخين البديهيات والحقائق إلى أسئلة معتمة وفاسدة ولن تكون الإجابات إلا مشوشة وفاسدة أيضًا, ومنها حق الإنسان المفكر فى الاجتهاد فى كل شئ بما فيه الدين!.

ذلك الحق الذى قيل عنه إنه " إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد" , وإن الإسلام ليس فيه ولا يجب أن يكون رجل دين أو مهنة الدين ( وإن كان فى مسيس الاحتياج إلى محققين للتراث وباحثين فى التاريخ الإسلامى ومؤسسين لعلم الاجتماع التاريخى بغرض وحيد وهو البحث عن الحقيقة والتعرف العلمى على التاريخ والمعتقدات والثقافة, ولن يتأتى ذلك إلا بمناخ علمى يفرق بين النص وبين تارخيته وتفسيره وتأويله ).

فما بالنا ومن وحد بين النص وبين مفسريه والقائمين بتأويله ساحبين قداسته على أنفسهم حتى أضحوا كمن يختبئ وراء إصبعه مطالبًا الناس ألا يروه, ومن اختلقوا تهمة العيب فى ذواتهم محصنين بذلك الرداء والتعصب ووهم العلم فى حين أن كلمة العلماء فى القرآن الكريم معناها المتيقن { وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } [ سورة فاطر: 28 ]. كما وردت فى السياق, وأن كلمة الدين ترد بمعنى الطريق والتفقه بمعنى التعرف على الطريق { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة 122 ].

وأن كلمة فقه أو فقيه لم ترد فى القرآن ولم تُعرف بمعناها الحالى إلا فى العصر العباسى وأن كلمة علم هى كلمة حديثة وذات مضمون اوروبى ولا تنطبق على التفسير والتأويل والنقل والاجتهاد, وفى كل الأحوال لا يوجد فى النص ولا فى النقل ولا فى الدواعى الموضوعية فى الدين الإسلامى ما يبرر الاحتراف الدينى أو يجيز الارتزاق به ولنعد إلى بديهية ان التاريخ لا ينسخ التاريخ بل يكمله, وأن حق الإنسان فى الشك والحيرة النبيلة الصانعة للحضارات تمامًا كحقه فى أن يفكر .. ذلك الحق الذى قال عنه الإمام أبو حامد الغزالى " ... من لم يشك لم ينظر, ومن لم ينظر ام يبصر, ومن لم يبصر بقى فى متاهات العمى والضلال" ...

والنتيجة المباشرة والمحسوسة هى أنه بعد الإرهاب الفكرى يأتى نصفه الآخر وهو الإرهاب المسلح مشكلين معًا شبكة عنكبوتية بشعة غطت المنطقة العربية بادئة بمصر, موفرين أهم تكئة لغياب الحريات والديمقراطية ولشيوع الاستبداد وقوانين الطوارئ .

وفى مقال للدكتور نصر حامد أبو زيد تحت عنوان " خطاب الإسلام السياسى والعنف المستتر", بجريدة الأهرام 24 يناير 1992 يقول: " إن الفروق بين المعتدلين والمتطرفين فى الإسلام السياسي هى الدرجة وليس النوعية...".

الإرهاب الفكرى وفقه القتل:
نسرد هنا على سبيل المثال عدة مواقف لثلاثة من ممثلى الإسلام السياسى وسفراء الدولة الدينية فى مصر:
أولاً: فى معرض الدفاع عن جرائم الجهاز الخاص بالإخوان المسلمين وفى ندوة معرض الكتاب فى يناير 1992 وتخت عنوان " الدولة الدينية والدولة المدنية" قال مأمون الهضيبى إن محمود فهمى النقراشى كان عميلاً إنجليزيًا مما دعا ثروت أباظة ( الذى لم يُعرف عنه العداء للإسلام السياسى ولا المودة مع العلمانيين ) وتحت عنوان " أقتل وبهتان؟!" ( الأهرام 27/1/1992 ) " فإذا بالمتطرف يجيب بثقة أن النقراشى كان عميلاً للإنجليز, كبرت كلمة تخرج من أفواههم, أيأمر الإسلام بشهادة الزور ورمى الناس بالباطل والاعتداء على تاريخ الكرام بهذه السهولة وهذا اليسر, النقراشى الذى وضع رأسه على يده هو وزميله أحمد ماهر واتهما بتهم خطيرة من أنهما كانا يقتلان الإنجليز, ففيم إذن عدوانك هذا الآثم؟, اما يكفيكم قتله وتريدون أن تعتدوا على سمعته وكرامته؟ ...".

وكان الهضيبى هو أول صوت مرحب ومبرر ( الأخبار وصوت الكويت 8/6/1992 ) للغدر بفرج فودة مرددًا تهمة العيب فى ذات محترفى الدين, ثم كان أول صوت مرحب ومبرر لاغتيال الرئيس الجزائرى محمد بوضياف وحتى قبل أن تتضح الصورة مؤكدًا فهمه الأممى للإرهاب ومقدمًا لنا صورة زاعقة لفقهاء القتل.

ثانيًا: فى عدد ( الأهالى 4/11/1992 ) وتحت عنوان " لماذا يكذب الشيخ؟!" , كتب الدكتور رفعت السعيد "... لم اكن أتصور أن شيخًا مسلمًا, يقول عن نفسه ويقولون عنه إنه داعية إسلامى شهير, وعلى علاقة أكثر من حميمة بجماعة الإخوان المسلمين ... لم أكن أتصور أن شيخًا كالشيخ محمد الغزالى يقع فى خطيئة الكذب الصريح ويستخدم ما يسمى بالكذب الأسود لترويج مقولاته ..." وفحوى الموضوع أن الشيخ أورد فى مقال فى جريدة الأنباء الجزائرية فى ( 23/8/1992 ) أن ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث قد تزوج ابنة جولدا مائير وطبعًا لم يكن الهدف إلا تشويه فكرة القومية العربية بتشويه رجالها... ومن هنا يمكن ان نكتشف مصدر فرية وأكذوبة أشد سوادًا وتتشابه إلى حد التطابق مع الأول فى حملة تشويه فرج فودة وهى أنه زوّج ابنته من ابن السفير الإسرائيلى بمصر!! .. وفى يوم ( 27/5/1992 ) وقبل اغتيال فرج فودة بعشرة أيام قال نفس الشيخ فى ندوة بنادى هيئة التدريس بجامعة القاهرة عن الفقيد وعن د. فؤاد زكريا ( بالمناسبة هما أطراف الحوار معهم فى ندوة نقابة المهندسين بالإسكندرية وفى نفس موضوع ندوة معرض الكتاب عن العلمانية والإسلام ), ولذلك مغزى بالطبع . , الاثنين بيرددوا كلام أعداء الإسلام فى الخارج .. ربنا يهديهم ... وإن ماهداهمش .. ربنا ياخدهم" ...

وإذا تغاضينا عن فجاجة التعبيرات وسطحية الحديث يلح علينا سؤال: هل كان ذلك من برنامج التحضير بالغدر بالرجل؟, وبالتالى هل كان ذلك ترديدًا لفتوى القتل؟, وخاصة أن الغزالى هو من قال عنه خالد محمد خالد :" إنه إنضم إلى الجهاز الخاص فى صراعه مع المرشد العام حسن الهضيبى .. أى أن الرجل عريق وله باع طويل فى فقه القتل, ونتساءل أيضًا هنا عن مستوى أعضاء هيئات التدريس الذين جلسوا أمام هذا الشيخ يستمعون إلى حديث الإرهاب وإلى الحديث ـ فى معرض الدففاع عن الدولة الدينية ـ عن أن ملكة انجلترا تُقسم على حماية الكنيسة دون أن يوضح ـ أو لا عله لا يعرف ـ لأن الكنيسة الإنجليزية منفصلة عن كنيسة بابا الفاتيكان منذ عهد إليزابيث الأولى.

ثالثًا: فى ندوة الإسكندرية قال د. محمد عمارة عن الفقيد (= فرج فودة ) إنه قال:" شهداؤنا ( يقصد العرب والمصريين ) قتلى وقتلاهم ( يقصد الإسرائيليين ) شهداء" ... وسأله فرج فودة متى وأين قال ذلك؟ , فتهرب من الإجابة حتى استراح باغتياله ولم يعرف أن للفقيد أخًا شهيدًا فى حرب 67 هو محيى الدين على فودة. ...

وللدكتور عمارة دراسة وتقديم فى مجلة الطليع ( نوفمبر 1971 ) لكتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ على عبد الرازق, وكان المنطق العلمى يسيطر على كل سطور الدراسة وكانت عميقة ومفيدة جدًا .. وكان الشيخ قد توفى عام 1966,
ولم نعرف ماذا تغير حتى سنة 1992 سوى أن الدكتور عمارة انتقل من الفكر اليسارى الذى سجن بسببه خمس سنوات إلى الإسلام السياسى الرائج ولم ينتقل معه مموضوعيته ومثابرته العلمية وهذا منطقى, حتى قال فى ندوة الإسكندرية: " إن الشيخ قد تراجع عن الكتاب معتمدًا على سطر فى مجلة ( الرسالة سنة 1951 ) وكان الكتب تُمحى بسطر وكأن المنطق غير مهم وكأن التاريخ والفكر والذاكرة الوطنية قطع من الصلصال يتم تلوينها وتشكيلها طبقًا للأهواء وتغير العصور, ولكنه الانتقاء والتلفيق الذى يلبسونه مسوح العلم بل ويصدرون باسمه صكوك الغفران لقادة العقل والضمير ولم يسلم منه حتى معلم الأمة الدكتور طه حسين.

وعندما نتطرق إلى مضمون هذا الكتاب الذى نحسب انه لولا ما يحمله لأضحى كتابًا طريفًا ينتمى لأدب المحاورات ويحوى من الرياضة الذهنية والتساؤلات أكثر مما يحوى من إجابات.

وإذا كان لكل دراما من لحظة توقف ... برغم الحدة, ولكل حديث من لحظة صمت .. برغم المرارة, فإننا فى النهاية نقول السلام عليك يا فرج فودة يا من مات واقفًا كحراس إسبرطة, والسلام علينا أجمعين ...
بقلم الأستاذ / أمين المهدى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقدمة د. أحمد صبحى منصور

موضوع زواج المتعة من المواضيع الفقهية التى شغلت الفقهاء بالجدال, وتخاصم فيها أهل السنة ومحققو الشيعة, صحيح أن شيخ الأزهر محمود شلتوت, أصدر فتوى فى جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية كسائر مذاهب أهل السنة, وقد صدرت الفتوى بتاريخ 17 ربيع الأول 1378هـ , ولكن هذه الفتوى لا تستطيع أن تُحسم الخلافات الفقهية بين السنة ةالشيعة لأن جذورها قديمة وباقية ولا يزال ينهل منها دعاة الفريقين حتى الآن, وهى أعمق من ان تؤثر فيها تلك الفتوى التى أصدرها الشيخ محمود شلتوت ونصها:


نص فتوى الشيخ شلتوت

التى أصدرها صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر. فى شأن جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية.
قيل لفضيلته:
إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكى تقع عباداته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المذاهب الأربعة المعروفة وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية ولا الشيعة الزيدية, فهل توافقون فضيلتكم على هذا المبدأ على إطلاقه فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مثلاً:
فأجاب فضيلته:
1ـ إن الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه اتباع مذهب معين بل نقول إن لكل مسلم الحق فى أن يقلد بادئ ذى بدء أى مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحًا والمدونة أحكامها فى كتبها الخاصة ولمن قلّد مذهبًا من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره ـ أى مذهب كان ـ ولا حرج عليه فى شئ من ذلك.
2ـ أن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعًا كسائر مذاهب أهل السنة.
فينبغى للمسلمين أن يعرفوا ذلك, وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة, فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذه, فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى يجوز لمن ليس أهلاً للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه فى فقههم, ولا فرق فى ذلك بين العبادات والمعاملات.
السيد صاحب السماحة العلامة الجليل الأستاذ محمد تقى القمى:
السكرتير العام لجماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية:
سلام عليكم ورحمته, أما بعد فيسرنى أن أبعث إلى سماحتكم بصورة موقع عليها بإمضائى من الفتوى التى أصدرتها فى شأن جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية راجيًا أن تحفظوها فى سجلات دار التقريب بين المذاهب الإسلامبة التى أسهمنا معكم فى تأسيسها ووفقنا الله لتحقيق رسالتها والسلام علسكم ورحمة الله.
شيخ الجامع الأزهر
السابع عشر من شهر ربيع الأول 1378هـ.

والدليل على عمق الصراع الفقهى المذهبى بين أهل السنة والشيعة هو ما أحدثه مقال للدكتور فرج فودة بشأن زواج المتعة, وهو لم يقل بأنه حلال, وإنما اكتفى بالإشارة إلى أن فريقًا من المسلمين يقول به ويستدل على جوازه, ومع أن الدكتور فرج فودة لم يقل شيئًا جديدًا أو شيئًا مجهولاً إلا أن أقلام خصمه من المشايخ أسرعت عليه بالهجوم, وهم يظنونه يتكلم فى موضوع زواج المتعة من موقعه كمثقف وسياسى, ففوجئوا به يتحدث عن الموضوع حديث الفقيه المتخصص, ويرد عليهم يفند الأدلة ويحللها ويفحص الأسانيد ويأتى بالروايات من هنا ومن هناك شأن العالم المجتهد المتبحر فى الشريعة, وفد كان ذلك فعلاً, وهو ما يلحظه القارئ لهذا الكتاب " زواج المتعة".

على أن الدكتور فرج فودة فى كتابه " زواج المتعة" لا يفاجئنا فقط بعلمه الغزير والعميق بالخلافات الفقهية بين أهل السنة والشيعة, وإنما يتميز فوق ذلك بميزة فريدة وهى أنه صاغ تلك الخلافات الفقهية الجامدة والصارمة فى حوار جدلى يقارع به كل خصم خصمه بالحجة حتى إذا أقنع القارئ فوجئ القارئ بحجة اخرى للخصم تبدو أكثر إقناعًا, وهكذا يظل القارئ يتأرجح بين أهل السنة وأهل الشيعة فى مباراة عقلية فقهية حدلية تستحوذ عليه إلى نهاية الكتاب.

وهو بذلك يضع صياغة جديدة ومبتكرة فى الكتابات الفقهية الخلافية, تمكن القارئ المثقف العادى من الوقوف على الأدلة الأصولية واختلافات الفقهاء بعد أن تزيل عنه الرهبة ونقنعه بأنه يشاهد مباراة عقلية, لا تخلو من طرافة وعذوبة, وبتلك الطريقة المبتكرة التى ابتدعها الدكتور فرج فودة تتخلى الموضوعات الأصولية من تعقيداتها وصرامتها, وتصبح فى متناول الجميع, على أن هذه الطريقة تستلزم من المؤلف أن يهضم أولاً تلك الموضوعات الأصولية ثم يصيغها فى أسلوب حديث معاصر جذاب رائع, ولا أعتقد أن احدًا فى عصرنا قد أوتى هذه الملكة غير فرج فودة ..!!.

وهناك ميزة أخرى للمؤلف فى هذا الكتاب, وهو ميزة لن تعجب أحدًا من الفقهاء, وهو أن الدكتور فرج فودة كان عادلاً فى إجراء المحاورة بين فقهاء السنة والشيعة, فاتى بأدلة كل فريق ولم يرجح أحدها على الآخر, وفى قضية كهذه حين تلتزم الحياد العادل وتنقل أدلة كل فريق بدون تميز, فإنك لن ترضى الطرفين, ولن ترضى سوى القارئ المحايد الذى يريد أن يتعرف على الموضوع فى تجرد وموضوعية .. وبذلك قتح الدكتور فرج فودة الموضوع وتركه مفتوحًا وطالب الفقهاء بالدليل الحاسم, وبذلك أثار حفيظتهم أكثر فأكثر.

إن الحديث عن زواج المتعة نوعًا من القصف الحربى بالأدلة الفقهية ةالاجتهادات المذهبية فى متب الفقهاء وساحات الجدل ... فقط.

دكتور: أحمد صبحى منصور
القاهرة ديسمبر 1992
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقدمة الكاتب

قبل أن أبدأ أعلنها واضحة صريحة ...
لست داعية لزواج المتعة ...
ولست موافقًا عليه ...
ولست قابلاً به لبنات أسرتى وبنات المسلمين...
ولست أدعى الفقه والتبحر فى العلم, فما أنا إلا مسلم يجتهد فى دينه لدينه, لذا فليس لى رأى شخصى قاطع فى الخلاف حول المتعة, لكنى أدعى الأمانة فى عرض الرأى والرأى الآخر, وأدعى القدرة على بذل الجهد فى القراءة والاطلاع, ومنذ أعلنت عن قرب صدور هذا الكتاب, والسؤال لا ينقطع من الأصدقاء عن سبب كتابته, ومن حق القارئ أن يستمع إلى الإجابة ...

لقد كتبت هذا الكتاب للأسباب التالية..
أولاً: الحقيقة ضالة المؤمن, والطريق الصحيح إلى الحقيقة لابد وأن يمر بالتعرف على الرأى والرأى الآخر, ولا يكون أبدًا بطمس آراء الآخرين أو تسفيهها أو الهروب من مواجهتها إما جهلاً بها أو استعلاء عليها أو رفضًا للنتائج من البدء ...

ثانيًا: إن أسوأ خصائصنا الفكرية ـ فى تقديرى ـ تتمثل فى الاعتقاد بالصواب المطلق, حتى فى فروع الفروع وتفصيلات التفصيلات, واعتقاد هذا شأنه لابد وأن ينعكس فى نتيجة منطقية, وهى الاعتقاد بالخطأ المطلق لمن يختلف معنا, أما أسوأ خصائصنا ( التفكيرية ) فهى أسلوب التفكير أحادى الاتجاه, حيث لا سبيل للحقيقة غير أسلوبنا فى التفكير, ولا احترام لأسلوب الآخرين, ولا اعتقاد بأن لهم منهجًا وعقلاً و أسانيد, فالمنهج لدينا هو ما ننهج, والعقل فى مفهومنا هو ما نعقل, والأسانيد فى تصورنا هى ما يساند أفكارنا ومنهجنا ونتائجنا .. والكتاب فى مجمله محاولة فكرية وتفكيرية مختلفة تمامًا, وهو ما سيكتشفه القارئ, ولعله يكتشف من خلاله خطأ منهجنا فىالفكر والتفكير

ثالثًا: يعجبنى قول لصديق عزيز ـ كثيرًا ما نعرف كيف نتفق بيد أننا لم نعرف بعد كيف نختلف ـ والحوار الذى يعرضه الكتاب محاولة فى هذا السبيل, واجتهاد فى اكتشاف مالم نعلمه ونتعلمه بعد

رابعًا: كثيرًا ما سألت نفسى وانا أجتهد فى القراءة حول الموضوع لعدة سنوات ـ كيف تخلو مكتبتنا الدينية والفكرية من أمثال هذه الموضوعات الدسمة فكريًا وفقهيًا, رغم خطورتها وكثرة وعمق الخلاف حولها, فى الوقت الذى تمتلئ فيه مكتباتنا بكتب عن عذاب القبر ونعيمه, وفتنة المسيخ الدجال, وأوصاف المهدى المنتظر, وأحاديث الخضر عليه السلام, وأحوال الجان ومراتبهم, وحكم زواج الإنسى بالجنية, إلى آخر الكتب التى لا طائل وراءها ولا أصيل فقه ولا سليم اعتقاد ولا انفتاح ذهن, ولعل هذا الكتاب يسد جزءًا من فراغ أحسبه قائمًا, ولعله جهد يستحق, وإن كان الحكم على ذلك للقراء

خامسًا: كثيرًا ما يحدث للقارئ كما حدث لى أحيانًا, وهو يستعرض رأى هذا فيراه صادقًا, ورأى ذاك فيراه موثقًا, ثم يعود لرأى جديد للأول فيقتنع به ثم يقرأ رأيًا معاكسًا للثانى فيستمسك به, أن يصل إلى موقف تشتبه عليه فيه الأمور, ويجد نفسه فى منطقة شائكة بين الحل والحرمة وفى مثل هذه المواقف كنت أسأل نفسى, هب أننى اجتهدت فحسبته حلالاً, أكل حلال واجب التباع؟
أحسب أنه سؤال خطير, وأخطر ما فيه أنه يطرح السؤال العكسى فى المقابل, وأحسب أيضًا أن مثل هذا السؤال يجب ألا يظل مكتومًا أو حائرًا, ولسوف يجده القارئ عنوانًا لكتاب قادم, وبغير عرض أصل الخلاف وآراء المختلفين, يصبح مثل هذا السؤال نوعًا من الترف الفكرى لا مبرر له ولا منطق, بيد أنه فى أعقاب هذا الكتاب يأتى مبررًا تمامًا ومنطقيًا بغير شك, وما أحسب إلا أن القارئ سوف ينشغل بالمقدمات والنتائج بقدر ما انشغل ذهنى, بل الأدق أن أقول, بقدر ما اشتعل, وهذ المبرر وحده يكفينى

سادسًا: إن خطورة قضية ( زواج المتعة ) تستند إلى أسباب عدة:
1. مأزق الحاجة لاجتهاد معاصر,
2. خطورة الاستناد لاجتهادات عصور سابقة,
3. مأزق الدعوة للعودة إلى الجذور دون مراجعة,
4. وهم اليوتوبيا ( الجنة على الأرض ) فى عصور خلت,
5. مأزق استلهام النص وحده دون إعمال العقل,
6. مأزق الفصام بين الأصولية والمعاصرة, فالأولى نقل, والثانية عقل وتوفيق بينهما وارد وممكن لكن ليس فى ظل مانراه من انغلاق فكرى أو فكر انغلاقى,
7. المأزق الذى يقود إليه تقييم نصوص السن على أساس السند وليس المتن,
8. الأسى لخلاف المسلمين دون طائل يُجنى سوى تمزق الصفوف, ودون محاولة لرتق الخلاف وتلافى أسبابه,
9. ضياع الحقيقة بين الجهل والتجهيل والتجاهل من الفريقين,
10. مأزق التناقض بين قضية فحواها الإباحة ومضمونها الحرية وبين اجتهادات أخرى فى قضايا تتصل بها, فحواها القيد ومضمونها التشدد, وهو مأزق لا بد وأن يشغل ذهن القارئ منذ البدء وحتى الختام, وأن تثير القضية ويطرح الكتاب كل هذه المآزق والمشاكل والقضايا, فإن كتابته تصبح واجبًا ومسئولية, ونشره يصبح ضرورة وأمانة فى عنق الكاتب لابد وأن يفى بها مهما كانت العواقب ...

وأخيرًا لعلى أجبت على المتسائلين, ولعلى مضطر إلى أن أعيد على مسامع القراء مرة أخرى ما بدأت به هذه المقدمة, ولو أُتيح لى أن أُعيده ألف مرة لأعدته ...
قبل أن أبدأ أعلنها واضحة صريحة ...
لست داعية لزواج المتعة ...
ولست موافقًا عليه ...
ولست قابلاً به لبنات أسرتى وبنات المسلمين...
ولست مستعدًا ... فى نفس الوقت أن أطمس حقًا من أجل إسترضاء الآخرين, أو أن أتنكر لمسئوليتى ككاتب من أجل إرضاء الآخرين ...

والله والحق من وراء القصد ...
مصر الجديدة ـ 6 أغسطس 1990


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباب الأول
زواج المتعة فى السنة والقرآن

" لا أعلم شيئًا أَحلّه اللَّه ثُم حرّمه, ثُم أحَلّه ثم حرّمه, سوى المتعة ..."
الإمام الشافعى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الأول
زواج المتعة ونصوص السنة

مقدمة الفصل

ما عرفت موضوعًا أرقنى وأرهقنى مثل هذا الموضوع, وحسبى أن أذكر للقارئ أننى ظللت أقرأ عنه, وأحاول كتابته ثلاثة أعوام كاملة وفى كل مرة كنت أمزق ما كتبت, رغم أننى عادة لا أكتب إلا بعد أن تختمر الفكرة فى ذهنى, وساعة أن أضع القلم فى يدى ينتهى الأمر, ويصعب علىّ أن أبدّل كلمة واحدة, لكنى هذه المرة كنت أبدّل وأغير, وأمزق وأعيد الكتابة وأبتهج وأنا أقرأ, وأنزعج وأنا أكتب, وأتعجب فى كل الأحوال, وكم عبرت عن عجبى بتساؤلات ما زلت عاجزًا عن إجابتها,
كيف أهمل كل طرف ما أورده الطرف الآخر وهو غير قابل للإهمال,
وكيف ارتضوا لأنفسهم أن يصلوا إلى النتائج دون تمعن فى حجج المخالفين,
وكيف لم يتوقفوا كثيرًا أمام موضوع من أخطر الموضوعات,
وهل كان عذرهم أن دلالات قبولهم بزواج المتعة خطيرة,
لأنها لا تتناسق مع ما ألفناه منهم من احترام لنصوص وردت فى كتب السنة وفى تفاسير القرآن وفى أقوال كبار الفقهاء,
وأن موقفهم فى الحالتين صعب, وليس موقفهم وحدهم, بل موقف كاتب هذه السطور, وهو أيضًا موقف القارئ إن استكمل قراءة الموضوع, لأن أصعب ما يمر به صاحب الفكر أو التفكير أن يكشف أن ما يتعاطف معه وجدانيًا ليس بالضرورة هو الصواب, فقد يكون وقد لايكون, وأن الصواب المطلق أحيانًا عسير المنال, خاصة إذا كان لدى الطرف الآخر من المنطق بقدر ما لدينا من الشك, وعنده من الحجج بقدر ما عندنا من علامات الاستفهام.

حسنًا ... ليس الأمر أمر لوم أو تساؤل بقدر ما هو أمر تمهيد لرياضة ذهنية ما أظن أن لها نظيرًا فى قضية فقهية أخرى, فطرفا الحوار مختلفان أشد الاختلاف,
فالسنة ترى أن المتعة حُرمت إلى الأبد,
والشيعة ترى أن المتعة حلال إلى الأبد,
والسنة تستند إلى مراجعها المعتمدة من صحاح وسنن ومسانيد وتفاسير,
والشيعة تبالغ فى استعراض قوة حججها بالاستناد إلى نفس المصادر, والاعتماد على أحاديث واردة فيها أيضًا,
والطرفان يحتكمان إلى نفس الآيات القرآنية, لكنهما يخرجان منها بتفسيرات ودلالات لا تلتقى أبدًا ولا تتفق مطلقًا, بل يخرج هذا بعكس ما يخرج ذاك ويؤكده, ويخرج ذاك بنقيض تفسيره هذا وبسنده,
وكل طرف يلقى بحجته فتظنها نهاية المطاف فإذا بالطرف الآخر يثبت لك أنها بدايته وأنها مردود عليها بل كأنها لم تكن,
وكل رأى لكل طرف مهما بلغت وجاهته له رد يبدو لك وكأنه لا رد عليه,
فإذا بالرد عليه جاهز وإذا بدحضه ممكن,
وإذا بك بعد عشرات الآراء والردود تعود إلى نقطة البدء من جديد.

ما الذى يطمع فيه القارئ أكثر من ذلك؟,
وهل هناك أمتع من مناقشة قضية يرى أحد طرفى النقاش أنها بغاء لا شك فيه, بينما يرى الطرف الآخر أنها زواج لا شبهة فيه,
فإذا استمع القارئ إلى حجة هذا اقتنع بها, ثم إذا استمع إلى حجة ذاك وجدها مقنعة, ثم إذا بهذا يرد على ذاك ومعه حق, فإذا بذاك ينتقد هذا ومعه حق, وهكذا لا يصل القارئ إلى قرار إلا وتراجع عنه ولا يقتنع برأى إلا وتخلى عنه, ولا يصل فى النهاية إلا إلى ما بدأ به, هذا يراه بغاء عن اقتناع, وهذا يراه زواجًا ويعرض حجته عن إقناع, وما على القارئ إلا أن يختار, ليس كما يقول أحد الشعراء المعاصرين, ما بين الجنة والنار, بل بين اختيار واختيار,
وهو حائر فى اختياره على ما نظن, فهو إن رفض زواج المتعة فحجته أن جمعًا من كبار الصحابة وأئمة التابعين قد رفضوه, ومنهم عمر وعبدالله بن الزبير, والأئمة الخمسة, أبو حنيفة ومالك والشافعى وابن حنبل وزيد, وغيرهم كثير,
وما أظن أن هؤلاء يجتمعون على خطأ أو ينتصرون لباطل,
وهو إن قبل بزواج المتعة فحجته أن جمعًا آخر من كبار الصحابة والتابعين قد ناصروه, منهم عبدالله بن عباس , عبدالله بن مسعود, وأبىّ بن كعب, وابن جريج, وقتادة, وسعيد بن جبير, وسعد بن المسيّب, والإمام جعفر الصادق, وباقى الأئمة الإثنى عشر وغيرهم كثير,
وما أظن أن هؤلاء أيضًا يجتمعون على خطأ أو ينتصرون لباطل,
وأغلب الظن ان الله قد اراد برحمته أن يظل هذا الموضوع مثارًا, بل مثيرًا للخلاف, لحكمة ربما كشفتها لنا الأيام؟؟؟.

لقد خطر لى وأنا أكتب هذا الموضوع أن أمارس تجربة جديدة فى الكتابة, أشرك فيها القارئ معى ومع طرفى الحوار, بحيث لا يغيب القارئ ولا الكاتب عن إطار المحاورة, وبحيث يتدخل الكاتب حين يشعر بضرورة ذلك ليس من خلال طرفى الحوار, بل من خلال صفته كطرف ثالث مستقل يراقب الحوار الدائر ولا تغفل عينه عن القارئ منذ البداية وحتى الختام,
على أمل أن يتسع صدر القارئ للحوار معى وللمشاركة منذ البدء فى صياغة منهج العرض والتحليل, وهو منهج غريب استرشدت فيه بأسلوب الرسامين حين يخطون ما يسمون ( اسكتش ) بالقلم الرصاص, ثم يضيفون الألوان بعد ذلك وأقصد هنا ( بالاسكتش ) أننى تصورت كيف سيدور الحوار ومن الذى سيبدأ وكيف سيكون الرد, ثم متى تأتى الحجة التالية وكيف يقود الرد عليها إلى حجة جديدة , وهكذا.

وأكثر من هذا فقد كتبت مختصرًا لهذا التصور حتى لا أنساه, وما إن شرعت فى تلوين اللوحة, وأقصد بالطبع كتابة أسانيد كل طرف عند عرضه لوجهة نظره, حتى واجهت مشكلة صعبة تتمثل فى أن بعض الأسانيد مثل الأحاديث النبوية الواردة فى مصادر متعددة, أو التفسيرات القرآنية أو الآراء الفقهية, يمكن أن تشغل مساحة واسعة خلال عرض الرأى, ولكونها توثيقًا لا أكثر, ونتيجة أيضًا لطول بعضها ولتكراره, فإن وضعها بين سطور الحوار يؤدى إلى فقد القارئ لذة المتابعة للحجة والحجة النقيض, وغياب سلاسة العرض وسرعة إيقاعه, وقد خطر لى أن أكتب الأسانيد فى المذكرات التفسيرية, فوجدتها سوف تبتلع مساحة الصفحات, وفكرت فى نقلها لنهاية الفصل بعد تمامه فوجدتها ستبتعد عن السياق, وهنا خطر لى أن أفعل شيئًا آخر, وهو ما أسميته بالمداخلة وأقصد بها قطع الحوار فيما يشبه الاستراحة, ثم المداخلة بذكر أسانيد الطرفين مع تمييز كتابتها بخط مختلف يحيث يمكن للقارئ أن يراجعها إذا أراد, أو أن يعبرها مستكملاً الحوار إذا شاء,

لا شك أننا أطلنا فى المقدمة, ولا شك أن القارئ يتعجلنا للبدء فى شوق, ولا شك أننا لسنا أقل شوقًا منه لاستعراض حجج الطرفين:
********************************

سؤال و جواب
ما هو زواج المتعة؟.
هو زواج لأجل ( زواج مؤقت ) مقابل أجر ( مهر ) يُتفق عليه بالتراضى ( ولو كان قبضة من تمر أو من دقيق ).

ماذا يحدث إذا انتهى الأجل؟.
ينتهى الزواج بغير طلاق.

وهل هناك حد أدنى أو أقصى للأجل؟.
لا, فقد يكون الأجل ساعة أو ساعات, يومًا أو أيامًا, شهرًا أو شهورًا, سنة أو سنوات.

هل يثبت بهذا الزواج النسب؟.
نعم, يثبت به نسب الأبناء, وميراثهم أيضًا ...

وهل ترث الزوجة؟.
لا, إلا إذا اشترطت ذلك عن الزواج ...

هل تستحق الزوجة نفقة؟.
لا, إلا إذا اشترطت ذلك عند الزواج.

وهل زواج المتعة محدد بعدد؟.
لا, ليس محددًا بعدد بعكس الزواج الدائم المحدد بأربع زوجات ...

ما معنى هذا؟.
معناه: أنه لا حد لعدد زوجات المتعة, وقد روى عن ابن جريج فقيه مكة الشهير أن تزوج شبعين بالمتعة تأكيدًا لحِلّها ...

وهل يجوز تجديد المدة بعد انتهاء الأجل؟.
نعم, يجوز تجديد المدة مرة ومرات بعد انتهائها دون حاجة لمحلل ..

وكيف ينعقد الزواج؟.
ينعقد الزواج بلفظ من ثلاثة تذكره الزوجة ( زوجتك أو أنكحتك أو متعتك نفسى ) ...

وهل لزواج المتعة أحكام تفصيلية أخرى؟.
نعم, لزواج المتعة أحكام تفصيلية أخرى يستطيع القارئ الرجوع إليها فى مراجع الفقه الشيعى.

ماهى المراجع الشيعية؟.
المراجع الشيعية متعددة ومنها:
v المختصر النافع فى فقه الإمامية للشيخ أبو القاسم ـ دار الأضواء ـ بيروت.
v إسلامنا فى التوفيق بين السنة والشيعة: للدكتور مصطفى الرافعى ـ مؤسسة الأعلمى للمطبوعات ـ بيروت.
v روح التشيع: للشيخ عبداله نعمة ـ دار الفكر اللبنانى ـ بيروت.
v نقض الوشيعة: للإمام السيد محسن العاملى ـ مؤسسة الأعلمى للمطبوعات ـ بيروت.
v المراجعات: للإمام عبد الحسين الموسو ـ دار علاء الدين ـ بيروت.
ونوصى بقراءة الكتب الثلاث الأخيرة لسعة العلم ووضوح العرض وبلاغة الأسلوب واعتدال المنهج وهى من اهم ما استندنا إليه من مراجع.

ما معنى ماسبق؟.
معناه: أن المسلم يستطيع أن يتزوج مسلمة أو كتابية, بعقد زواج محدد المدة ( ساعة مثلاً ), مقابل مبلغ معين ( خمسة جنيهات مثلاً ) يتفقان على, فإذا انتهت المدة, انتهى الأمر بغير طلاق.

***********************

ويبدأ الحوار السنى الشيعى

[ 1 ]

هنا يفرك أهل السنة أيديهم فى سعادة وطرب, ويرددون:
الحمد لله, يكفينا هذا المثال, ولسنا فى حاجة إلى حوار وأخذ ورد, فالأمر أوضح من أن يُناقش,
هل يتصور عاقل أن ماسبق يمكن أن يكون زواجًا؟,
وهل يقبل أحد ان يحدث هذا لابنته أو أخته أو قريبته؟
هذا ليس زواجًا إلا إذا ألغينا عقولنا وصادرنا ضمائرنا, هذا بغاء, بغاء, بغاء ...

ü فيرد الشيعة:
يؤسفنا أن نبدأ الحوار هذه البداية, فالأمر ليس أمر عواطف أو مشاعر أو عبارات ثقيلة, بل هو أمر نصوص وقواعد ووثائق وأحكام دين, ووصفكم للمتعة بأنها بغاء لا يسئ إلينا فقط, بل يسئ إليكم أيضًا لأنه يسئ إلى الإسلام الذى نتبعه جميعًا, وإن اختلفت بنا السبل.
إنكم أول من يعلم أن المتعة قد اُبيحت فى عهد الرسول ومارسها الصحابة, فهل يجوز بعد ذلك أن تصفوها بالبغاء.
عودوا إلى مراجعكم التى تستندون إليها فى احكامكم الفقهية,
عودوا إلى صحيح البخارى وصحيح مسلم وسنن ابى داود وابن ماجه والنسائى والترمذى والدارمى وموطأ مالك ومسند ابن حنبل,
وسوف تجدون فيها جميعًا توثيقًا بأن الرسول قد احل المتعة فى حياته,
وأن بعض الصحابة مارسوها برخصة من الرسول,
وأن الأحاديث, حتى التى تستندون إليها فى تحريم المتعة متضافرة على أن الرسول قد أحلها من قبل ...

**************
[ 2 ]
فيرد السنة:
بل متضافرة على التحريم فى أكثر من حديث, وفى أكثر من زمن ...

ü فيرد الشيعة:
هذا يؤكد الحقيقة الأولى التى نود أن نتفق عليها معًا, وهى ان زواج المتعة قد أحل فى عهد الرسول وهو ما يجب أن ننتهى فيه إلى حسم, إن بعضكم يذكر أن المتعة كانت من أنكحة الجاهلية وأن تحريم الرسول لها يمثل نهيًا عن ممارسة خطأ جاهلى وهو ما يتناقض مع ما تذكرونه الآن, لأن الرسول قد حرمها كما تثبت الأحاديث فى أكثر من مكان وأكثر من زمان ( سبع مواضع وسبعة أزمنة ) ولا يعقل أن يحرّم الرسول أمرًا لم يحله, خاصة عندما يتكرر التحريم,
فالتحريم مرتين معناه الحل فيما بينهما,
وأقوى أحاديثكم التى تستندون إليها فى تحريم المتعة ( تحريمًا مطلقًا ) كما تدعون هو حديث معبد بن سبرة الجهنى عن أبيه سبرة, وهو الحديث الذى تكرر فى صحيح مسلم بطرق مختلفة إحدى عشر مرة, وتكرر أيضًا فى كتب السنن والمسانيد,
يذكر فيه سبرة أن الرسول قال: ( يا أيها الناس إنى كنت قد أذنت لكم فى الاستمتاع من النساء. وإن الله قد حرم ... إلى آخر الحديث ).
وحل المتعة هنا واضح على لسان الرسول وهو أوضح على لسان سبرة فى بداية روايته للقصة التى تبدا بالعبارة التالية: ( أذن لنا رسول الله بالمتعة فانطلقت أنا ورجل .. إلخ ),
والبخارى فى صحيحه يذكر أحاديث المتعة تحت عنوان ( باب نهى رسول الله عن نكاح المتعة آخرًا ) وتعليق ابن حجر العسقلانى فى كتابه فتح البارى على لفظ ( آخرًا ) فى نهاية العنوان مضمونه أن ذكر هذا اللفظ يعنى إباحتها أولاً,
وإذا كان ذلك مفهومًا ضمنًا من عنوان البخارى,فإن عنوان الباب المناظر فى صحيح مسلم أكثر وضوحًا فى إثبات حله فى عهد الرسول صراحة حيث يذكر أحاديث المتعة تحت العنوان التالى: ( باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ, ثم أبيح ثم نسخ, واستقر تحريمه إلى يوم القيامة ), والعنوان واضح فى تأكيد إباحة المتعة فى عهد الرسول مرتين ( فى رأى مسلم ),
وهناك العديد من الأحاديث التى تثبت حله ليس فى عهد الرسول فقط, بل فى عهد أبى بكر وصدر عهد عمر بن الخطاب الذى كان وراء تحريمه فى اعتقادنا.
مرة أخرى حتى لا تتوه الحجة ... المتعة أحلها الرسول ومارسها الصحابة فى عهده بإذن منه,
هل تعترضون على هذا أم تعترفون به فى بداية الحوار؟.


**************
[ 3 ]

فيرد السنة:
ما ذكرتموه لا يستحق فى تقديرنا التوقف, لأن هدفنا ليس العرض التاريخى, وإنما هدفنا هو التوصل إلى رأى فقهى قاطع فى شأن تحريم المتعة إلى يوم القيامة على لسان الرسول, ولا يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة لدينا أنه حرمها تحريمًا قاطعًا إلى يوم القيامة,
ولسوء حظكم أن الرسول لم يحرمها فى موضع واحد,
بل حرمها فى سبعة مواضع أخرها حجة الوداع.
تحريم قاطع سبع مرات وتجدون لديكم الجرأة على المخالفة,
يالله, لو كان حرمها مرة واحدة لاستطعتم الهرب منها بالتشكيك فى الحديث أو الواقعة أو الرواة,
لكنها مرات متعددة, تذكر كتبكم أنها سبع مرات,
وكأن الله أراد برحمته أن يتكرر نهى الرسول ليس مرة واحدة ولا مرتين بل سبع مرات حتى تحيط بكم دائرة التحريم, وحتى تضيق بكم السبل, ولو استطعتم إنكار واقعة أو اثنتين فأين تهربون من البقية ... هذا هو ما يهمنا ... التحريم القاطع والمتكرر, ولا يغنى عنكم استنادكم إلى الحل فى زمن سابق لأن التحريم اللاحق يكفى لزواله, ويكفينا للرد عليكم ...

ü فيرد الشيعة:
أسوأ ما يفعله المحاور أن يلقى بالحجة متصورًا أنها لصالحه, ثم يكتشف أنها ضده ولصالح الطرف الآخر, وهذا ما فعلتموه الآن لا أقل ولا اكثر وسوف نثبت لكم هذا.
لكننا قبل ذلك نود أن نرسى أسسًا للحوار, منها رفض المراوغة أو المكابرة فى الحق ...
لقد أثرنا تساؤلاً فى البداية لا نريد تجاوزه قبل أن نوفى إجابته حقها,
وهو التساؤل عن حل المتعة فى عهد الرسول, ونحن نعتبر إجابتكم تسليمًا بحجتنا,
ولو عارضتم فى ذلك لتوقفنا كثيرًا حتى نثبته لكم, وإثباته هين ويسير, ولو سلمتم به لتجاوزناه إلى مناقشة حجتكم فى التحريم,
فما رأيكم: نتوقف ونرد أم نتجاوز ونستمر؟ ...
**************
[ 4 ]

فيرد السنة:
بل استمروا ...

ü فيرد الشيعة:
حسنًا, ووصفكم للمتعة بأنها بغاء, بغاء, بغاء ...
هل يتفق مع إباحة الرسول لها فى حياته؟ ...
وممارسة بعض الصحابة لها؟...

**************
[ 5 ]

فيرد السنة:
يبدو أنكم تريدون مصادرة الحوار فى بدايته بالتلكؤ عند الجزئيات وتحاولن التوقف عند الحِلّ فى حياة الرسول هربًا من مواجهة التحريم القاطع المؤبد, والمتكرر بما لا يترك منفذًا للمراوغة ...
حسنًا ... سوف نغلق عليكم باب المراوغة بوصفنا لما أحله الرسول بأنه متعة, لكن إتيانه إذا ثبت تحريم الرسول له يدخله فى باب الغاء ...

ü فيرد الشيعة:
إذًا ثبّت ...

**************
[ 6 ]

فيرد السنة:
نقول لكم تكرر التحريم أكثر من مرة على لسان الرسول وفى أكثر من مكان, وفى أكثر من زمان باعترافكم فى مراجعكم أن التحريم قد تكرر سبع مرات فى سبعة أزمنة وتقولو إذا ثبت التحريم, تقصدون إنكاره؟.

ü فيرد الشيعة:
أولاً: ما ذكرناه فى مراجعنا عن الأحاديث الواردة بتحريم الرسول للمتعة فى سبعة مواضع وسبعة أزمنة كان حصرًا لما ورد فى مصادركم ليس عن اقتناع به بل لإثبات التضارب وعدم المعقولية فى الروايات التى نعتقد بالأدلة العقلية أنها مدسوسة على الرسول وإن كانت منسوبة إليه, وهذا ما سوف نثبته.
ثانيًا: إن قولكم بأن الرسول قد حرمه فى سبعة أزمنة وسبعة أمكنة امر لا يستقيم, وحجة عليكم وليست لكم, بسبب بسيط ومنطقى وهو أن تحريم الرسول لها سبع مرات لا يحتمل إلا وجهًا من وجهين,
· الوجه الأول أنه حرمها ثم أحلها ثم حرمها ثم أحلها وهكذا سبع مرات كاملة, وهذا لا يستقيم منطقيًا ولا سابقة له ولا مثيل,
· أما الوجه الثانى فهو أنه حرمها سبع مرات ولا ذكر للحل فيما بين المرات السبع, ومعنى هذا أن المسلمين قد خالفوه ست مرات, وهذا أسوأ, لأن المخالفين هنا هم الصحابة.
وواضح أيضًا أن المخالفة هنا مع سبق التحريم لا تعنى إلا شيئًا واحدًا هو ما سميتموه بلفظ ( البغاء ) لا نسمح لأنفسنا بوصف سلوك الصحابة به, ومرة أخرى هذا منطق لا يستقيم, وهى حجة مردودة عليكم وليست حجة لصالحكم على عكس ما تصورتم, وحتى لو قلتم إن عدد مرات التحريم أقل من سبع, وهذا رأى البعض منكم, فإن هذا لا يغير من واقع الأمر شيئًا.
ثالثًأ: إن التواريخ التى ذكرت لتحريم الرسول للمتعة توحى بالشك فى نسبة هذه الأحاديث إلى الرسول, فالترتيب الزمنى لهذه التواريخ على النحو التالى:
المناسبة الشهر السنة
1ـ خيبر المحرم سنة سبع
2ـ عمرة القضاء ذى الحجة سنة سبع
3ـ يوم الفتح رمضان سنة ثمان
4ـ غزوة حنين شوال سنة ثمان
5ـ أوطاس شوال سنة ثمان
6ـ تبوك رجب سنة تسع
7ـ حجة الوداع ذى الحجة سنة عشر

والملاحظة الأولى على هذا التأريخ, أن أول تحريم للرسول ـ فى زعمكم ـ قد حدث سنة سبع من الهجرة, ومعنى ذلك أن الرسول قد ترك المسلمين عشرين سنة كاملة يمارسون هذا البغاء ( كما تصفونه ) أو هذا النكاح من أنكحة الجاهلية ( كما يراه البعض منكم ), وهذا يبدو لنا غريبًا وإن كان ما يلى أغرب ...
أما الملاحظة الثانية فهى أن المتعة قد أحلت وحرمت ثم أحلت وحرمت ثم أُحلت وحرمت سبع مرات خلال ثلاث سنوات فقط وهو أمر يدعو للدهشة على الأقل, وللشك فى نسبة هذه الأحاديث إلى الرسول على ما نعتقد, وتزداد الدهشة ويزداد الشك إذا لاحظنا أن المتعة قد أبيحت وحرمت ثلاث مرات خلال شهر واحد فبين حنين وفتح مكة نحو من شهرين وبين أوطاس وحنين أيام, وأن تحل المتعة ثم تحرم أكثر من مرة أمر يدعو للدهشة, أما أن تحل وتحرم ثلاث مرات خلال نحو شهر فأمر يدعو للشك, وأن تحل وتحرم سبع مرات خلال ثلاثة أعوام فأمر يدعو لما هو أكثر من الشك.
رابعًا: أنتم تستندون فى تحريم المتعة إلى أحاديث وردت فى كتب السنة, ونحن أيضًا نستند إلى أحاديث من نفس المراجع تؤكد أن المتعة كانت مباحة فى عهد الرسول وفى عهد أبى بكر وفى صدر عهد عمر, وأن الذى حرمها هو عمر وليس الرسول, وهى أحاديث كثيرة ورواتها ثقات وكثر, ومعنى هذا أنكم نازلتمونا بالأحاديث فقبلنا النزال وواجهناكم حديثًا بحديث, وسندً بسند, وبمراجع هى ذات مراجعكم بيد أن الأمر لن يصل بنا وبكم إلى طريق مسدود, بل تجزم بأنه لن يصل إلى مستوى التعادل فيما بيننا فى الحجج لأن لدينا الحجة الدامغة, التى تعلو على مستوى ما سقناه وما سقتموه حتى الآن ...

**************
[ 7 ]

فترد السنة:
هذا هو مأزقكم, ترتكبون الخطأ, بل الخطيئة, ثم تندفعون فى تبريرها بحجج لا سند لها إلا فى مخيلتكم, ولا قوة لها إلا فى أوهامكم, وأمثالنا لا يتأثرون بالكلمات المنمقة والفارغة فى آن واحد من نوع الحجة الدامغة أو البرهان الساطع أو غيرها من الكلمات التى لا تستهدف إلا نتيجة واحدة, هى أن تمسكوا بزمام المحاورة وأن توجهوها وفق منهجكم وهو ما لن نسمح به, لذا ندعوكم إلى تأجيل ( دمغنا بالحجج ) قليلاً وأن نسمع تعليقكم على حديث ( أخرجه عبد الرازق عن على قال: نسخ رمضان كل صوم, ونسخ المتعة الطلاق والعدة والميراث ) ومعنى الحديث كما لا يخفى عليكم أن الزواج الدائم, بأحكامه التى ترتب عليها ميراث الزوجة وعدتها وضرورة الطلاق للانفصال عنها, قد نسخ هذا الزواج المسخ, الذى لا ميراث فيه للزوجة ولا عدة لها ولا ضرورة لطلاقها إذا انتهى الأجل ...

ü فيرد الشيعة:
عبتم علينا دعوانا بأنها دامغة, رغم أنها كذلك, ورغم أنكم لم تستمعوا إليها بعد, ووصفتم زواج المتعة ( مسخ ) وهو ليس كذلك, فزواج المتعة زواج شرعى, والحديث الذى نسبتموه للإمام على حديث مكذوب ومدسوس بغير شك, فأى شئ يمكن نسبته إلى الإمام على إلا قلة الفقه فى الدين, فلو لم يكن على فقيهًا فمن يكون ...؟.
إن القول المنسوب إلى على مكذوب لسبب بديهى وهو أنه قول جاهل ببديهيات الفقه لدى صبيان الكتاتيب من الشيعة.
فمن قال بأنه لا زواج بغير إمكانية حدوث طلاق؟:
1. الأمة المزوجة إذا اشتراها زوجها فإنها تبين منه بغير طلاق.
2. الزوجة الملاعنة تبين من الملاعن بغير طلاق.
3. الزوجة المرتدة تبين من زوجها دون طلاق.
4. الزوج المرتد تبين منه زوجته دون طلاق.
5. الزوجة الصغيرة التى أرضعتها أم الزوج تبين من زوجها دون طلاق.
6. الزوجة الصغيرة التى أرضعتها زوجته الكبيرة تبين من زوجها دون طلاق.
7. زوجة المجنون إذا فسخت عقد زواجها من تبين من زوجها دون طلاق.
8. الزوجة التى ملكت زوجها المملوك بأحد أسباب الملك تبين من زوجها دون طلاق.
وبالمثل أيضًا فإن هناك حالات من الزواج الدائم لا توارث فيها كالأمثلة الآتية:
1. الأمة إذا كانت زوجة.
2. الزوجة القاتلة.
3. الزوج القاتل.
4. الزوجة الذمية.
5. الزوجة المعقود عليها فى المرض الذى مات زوجها ولم يدخل بها.
وهذ الأمثلة كلها تثبت أن الزواج بذاته لا يقضى التوارث ولا الطلاق ...).[ الشيخ عبدالله نعمة ـ روح التشيع ـ دار الفكر اللبنانى ـ بيروت 1985م ـ ص 468 ].
أما عن العدة فعذركم بشأنها أنكم لم تقرأوا كتب الفقه الشيعى واعتمدتم على السماع لواردة هنا وشاردة هناك, ولو قرأتم لوجدتم أحكام العدة واضحة وكاملة, فالعدة واجبة انقضاء الأجل والافتراق, وهى حيضتان كعدة الأمة, وخمسة وأربعون يومًا لمن لا ترى الحيض, وأربعة أشهر وعشرة أيام للمتوفى عنها زوجها ...
هذا كله معلوم كما ذكرنا لصبيان الكتاتيب عندنا,
فكيف يخفى على الإمام على بن أبى طالب, باب مدينة العلم؟, بل الأهم من ذلك,
كيف يخفى عليكم حتى تواجهونا بهذا القول, وتظنوا أنه حجة؟ ...

**************
[ 8 ]

فيرد السنة:
إن سعيكم لاصطياد الحالات الشاذة للقياس يؤكد لنا شذوذ قولكم باستمرار حلّ المتعة. ولكم عذركم فيما ذكرتم من أدلة, فالقول الشاذ لا بد وأن يستند إلى دليل شاذ, ومع ذلك فسوف نطاوعكم ليس إقتناعًا بقدر ماهى الرغبة فى استمرار الحوار,
إننا نريد منكم أن تكونوا واضحين معنا, وأن تقولوا لنا صراحة,
هل تقبلون بنصوص السنة حكمًا بيننا أو لا ؟.
وهل تقبلون بقول الإمام على إذا تكرر خبره فى أغلب مراجع السنة, بل فيها جميعًا وهو حديثه بأن رسول الله ـ ص ـ قد نهى يوم خيبر عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الأهلية, أو لا ؟ ...
لقد كانت المناسبة هى الرد على ابن عباس فى ترخيص بالمتعة,
عندما ينحصر القول بين ابن عباس وبين على يرجح لدينا ولديكم قول على, خاصة وأنكم تعلمون أن حديث على كان بعد وفاة الرسول, الأمر الذى يقطع باسقرار تحريم الرسول للمتعة إلى الأبد, إذ يستحيل منطقيًا أن تكون المتعة حلالاً ويخفى ذلك عن على , وليس معقولاً أيضًا أن يحرم على ما أحل الله ورسوله ...
إن المصدر هو مراجع السنة التى قبلتم الاحتكام معنا إليها ...
والقائل هو على بن أبى طالب ... باب مدينة العلم ... الذى نقبل بحكمه ويستحيل عليكم أن تجادلوا فيه ...
والحمد لله أن الحديث جامع مانع, قصير قاطع, لا يحتمل لبسًا, ولا يقبل تأويلاً, ولا يداخله شك ... ألا يعنى هذا فصل الخطاب؟
ما رأيكم دام فضلكم؟ ...

ü فيرد الشيعة:
الحمد لله فعلاً لأنه أجرى الحق على ألسنتكم دون أن تدروا, فأصبح ما ذكرتموه, مردودًا عليكم إلى الدرجة التى نعتقد معها أنكم سوف تندمون على احتجاجكم به, وإصراركم عليه,
والحمد لله أيضًا على أنكم استخدمتم ألفاظًا دقيقة, فذكرتم أن الحديث متكرر ولم تذكروا أنه متواتر لأنكم لو ذكرتم ذلك لرددناه, وإليكم أسانيدنا فى الرد عليكم نذكرها فى ترتيب وهدوء ...
أولا: لقد ذكرتم أن الحديث كان بعد وفاة الرسول, وهذا ما تذكره مراجعكم بالفعل, وأنه كان فى الرد على عبدالله بن عباس, وهذا ما تذكره مراجعكم أيضًا, ومعنى هذا أن ابن عباس كان يرخص فى المتعة بعد وفاة الرسول, وهى حجة لنا وليست لكم, وعليكم وليست علينا, فعبد الله بن عباس حبر الأمة وبحر العلم فيها كما ترددون دائمًا, ورغم أن هذه الحجة ( وهى حلّ عبدالله بن عباس للمتعة بعد وفاة الرسول ) ليست أقوى حججنا, إلا أننا نريد أن نثبتها لنا وعليكم فى بداية الرد ... هذه واحدة ...
ثانيًا: وفقًا لما جاء فى مراجعكم كان حديث الإمام على بعد وفاة الرسول, والإمام على يذكر فى الحديث أن الرسول قد نهى عن المتعة يوم خيبر, والمنطقى أن يذكر الإمام على مناسبة التحريم الوحيدة إذا كان التحريم قد حدث مرة واحدة, أو أن يذكر مناسبة التحريم الأخيرة إذا كان التحريم قد لحقه حل ثم تحريم آخر أو أخير ...
ولعلكم تتفقون معنا على أمر منطقى, وهو أن أمرحلّ المتعة أو أمر حرمتها لجماعة المسلمين لا يمكن أن يخفى على الإمام على, ومعنى هذا أننا أمام واحد من احتمالين:
1ـ الاحتمال الأول أن الرسول حرم المتعة فى يوم خيبر, وكان هذا هو التحريم الوحيد, وبالتالى هو التحريم الأخير, وفى هذه الحالة تسقط كل أحاديث سبرة بن عبد الجهنى التى تتوقفون عندها كثيرًا وتتأملون فيها طويلاً, وتكررها مراجعكم عشر مرات, وتذكر أن الرسول قد أحل المتعة يوم فتج مكة, وفى قول آخر ( لسبرة أيضًا ) يوم حجة الوداع, ثم حرمها بعد ذلك ( إلى يوم القيامة ),
2ـ أما الاحتمال الثانى فهو أن أحاديث سبرة وغيرها أحاديث صحيحة, وأن الرسول أحلها بعد خيبر ثم حرمها, سواء كان ذلك يوم الفتح أو فى حجة الوداع, وهنا يصبح قول على ضعيفًا, لأنه يتحدث عن تحريم لحقه حل أو بمعنى أدق نسخه حل لاحق, والأولى به أن يذكر التحريم الأخير سواء كان يوم الفتح أو فى حجة الوداع, حتى يفحم ابن عباس, وحتى لا يترك له منفذًا للرد عليه بانها أحلت بعد ذلك ...
ولمعلوماتكم لسنا نحن القائلين بهذا, بل أحد فقهائكم الكبار وهو ( ابن حجر العسقلانى ) الذى ذكر ذلك فى كتابه فتح البارى نقلاً عن البيهقى الذى رجح النهى يوم خيبر عن لحوم الحمر فقط دون النهى عن زواج المتعة ( لكون رسول الله ـ ص ـ رخص فيها ـ أى فى المتعة ـ بعد ذلك ثم هى عنها فلا يتم احتجاج على بن أبى طالب إلا بالنهى الأخير لتقوم به الحجة على ابن عباس) [ ابن حجر العسقلانى ـ فتح البارى بشرح صحيح الإمام البخارى ـ دار إحياء التراث العربى ـ بيروت ـ الجزء التاسع ـ ص 138 ].
ثالثًا: لم يكن البيهقى هو الوحيد الذى أدرك ما يكتنف هذا الحديث من الشبهات, وما يثيره من المشكلات, إلى الدرجة التى دعته إلى حذف النهى عن المتعة منه, وإنما ادرك ذلك علماء الحديث والباحثون فيه, حيث روى عبد الوهاب الثقفى عن يحيى بن سعد عن مالك أن عليًا قال ( حنين ) ولم يقل ( خيبر ) [ أخرجه النسائى والداقطنى ] وهناك أيضًا رواية إسحق بن راشد عن الزهرى وهى تذكر أن عليًا قال ( تبوك ) ولم قل ( خيبر ) [ ابن حجر العسقلانى ـ فتح البارى بشرح صحيح الإمام البخارى ـ دار إحياء التراث العربى ـ بيروت ـ الجزء التاسع ـ ص 138 ].
وقد احتار فقهاء السنة فى تفسير ذلك,
فمنهم من قال أن هذا وهم تفرد به هذا,
أو خطأ وقع فيه ذاك,
بينما تفسير لدينا واضح وبسيط ومفهوم,
وموجزه أن الكذب على الإمام على ليس له قدمان, أو بمعنى أصح له قدمان, قدم فى ( تبوك ) وقدم فى ( حنين ) ...
وهكذا تظهر ثلاث احتمالات جديدة
1. أن عليًا لم يذكر فى حديثه نهى الرسول عن المتعة يوم خيبر, وإنما ذكر فقط نهى الرسول عن لحوم الحمر يومها, أو,
2. أن عليًا ذكر أن نهى النبى فى حنين , أو
3. أن عليًا ذكر أن نهى النبى كان فى تبوك,
إضافة إلى الاحتمال القديم ان النهى كان فى خيبر ...
حقًا, ما أقوى هذا الحديث, وما أصح متنه, وما أندر شبهاته, وما أيقن حدوثه .... هذه ثالثة.
رابعًا: وبظنكم لستم فى حاجة إلى رابعًا, لكننا نحيلكم إلى تفسير شهير للقرآن لا تختلفون عليه, وهو تفسير الطبرى [ جامع البيان فى تفسير القرآن لأبى جعفر محمد بن جرير الطبرى ـ دار المعرفة بيروت ـ المجلد الرابع ـ ص 9 ].
حيث ذكر حديث الإمام على بن ابى طالب بسنده: ( قال على ـ رض ـ لولا أن عمر ـ رض ـ نهى عن المتعة ما زنى إلا شقى ) ...
ما معنى هذا؟...
إن معناه واضح, وهو أن الإمام على يذكر صراحة أن الذى نهى عن المتعة هو عمر, وهو يذكر ذلك فى عبارة ناقدة, تشير إلى إغلاق عمر لباب من أبواب الرحمة, وفتحه لباب من ابواب الشقاء, وقد ذكر ذلك كله فى بلاغة مشهورة عنه, وفى إيجاز معروف منه, وفى أدب يليق به ...
عمر إذن هو الذى حرم المتعة وليس الرسول ...
والقائل هو الإمام على بن أبى طالب ...
والناقل هو ابن جرير الطبرى ...
ما رأيكم دام فضلكم؟ ...

**************
[ 9 ]

فيرد السنة:
ما هذا الجهل والتخليط ... نحن نتحدث عن السنة, ونذكر مراجعها التى صحت لدينا, ونأتى منها بالأحاديث الموثقة, وأنتم تأتون لنا بحديث لا سند له, من مرجع لم نسمع يومًا أنه مرجع حديث معتمد ...
إن ابن جرير الطبرى على العين والرأس كمفسر للقرآن, وكمؤرخ لحوادث التاريخ, لكنه ليس مرجعًا معتمدًا لدينا فى الحديث ...
ما أعجب ما تصدرون عنه ...
نقول لكم صحيح البخارى فتقولون تفسي ر الطبرى ...
هل هى المكابرة فى الحق, أم هو الجهل بالحديث, أم أنه مذهب شيعى جديد, يحيلنا فى الحديث إلى الطبرى, وفى التاريخ إلى البخارى وفى التفسير إلى ابن الأثير؟ ...

ü فيرد الشيعة:
ها أنتم تهربون من أصل المحاورة إلى فروعها, وتمسكون بتلابيب جزئية وتتجاهلون الكليات, وترفعون شأن مراجع تتشدقون باسمها, وأغلبكم لم يقرأها, ولو قرأها أحدكم وتأمل ما ورد فيها لتردد كثيرًا قبل أن يفتح على نفسه بابًا من أبواب الهول, حين يكتفى بذكر أن الحديث قد ورد فى البخارى, ظنًا منه أنه سوف يجندل المتحاورين معه لمجرد ذكر الاسم ...
إن البخارى نفسه ذكر أنه انتقى نحو أربعة آلاف حديث من حوالى ستمائة ألف حديث, أى أن ما صح لديه أقل من واحد فى المائة,
ونحن نجزم بأن ما صح لديه لم يكن صحيحًا كله ...
وأن بعضًا منه كان سمًا ناقعًا, لاندرى كيف سمح بتسلله إلى صحيحه؟,
وكيف سمح المتشدقون بما لا يعلمون لأنفسهم بوصف صحيح البخارى بأنه أصح كتاب بعد القرآن ...
ألم يرد فى البخارى حديث الرسول يذكر فيه أن الرسول العظيم قد ( أوتى قوة ثلاثين ) رجلاً فى الجماع ... [ البخارى 1/73 ط. دار الشعب ].
ولنتساءل:
1. هل يتصور أحد ان يكون ذلك وصف رسول الله ...
2. والحديث يذكر أنه كان يطوف بنسائه جميعًا فى ساعة واحدة وعددهن إحدى عشر ...
3. هل هذه هى معجزة الرسول؟ ...
4. وهل هذه هى قدراته؟ ...
5. بل ما شأن المسلمين أصلاً بخصوصيات الرسول , بل بأخص خصوصياته مع أهل بيته؟ ...
كان يأتيها وهى حائض
ألم يذكر البخارى عن عائشة أن رسول الله كان يأتيها وهى حائض بعد أن تتزر [ البخارى 1/97 ط. دار الشعب], رغم ان ذلك يتناقض كلية مع القرآن الذى ورد فيه { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [ البقرة 222 ].
ملك الموت
وألم تذكر كتب السنة أن موسى قد لطم ملك الموت ففقأ إحدى عينيه, بالله عليكم هل يستقيم ذلك وهل يقبله عقل؟ ...
وأى عين تُرى تلك التى ذهبت, هل هى اليسرى فينجو من الموت اهل اليمين, أم اليمنى فينجو من الموت أهل اليسار؟ ...
ثلاث ليال
وأين يذهبون من الحديث الوارد فى البخارى فى باب ( نهى الرسول عن نكاح المتعة آخرًا ) ونصه ـ على لسان الرسول ـ: ( أيما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال, فإن أحبا أن يتزايدا أو يتتاركا تتاركا ) [ انظر الفصل الثانى ] ... هكذا ...
تعيروننا بزواج المتعة وهو زواج شرعى صحيح,
وتقبلون بهذا الحديث وتجرؤون على نسبته للرسول لمجرد كونه واردًا فى صحيح البخارى ...
أيما رجل وإمرأة, بمعنى أى رجل وإمرأة,
توافقا أى تقاربت مشاعرهم وتحابا,
من حقهما ـ على سبيل التجربة ـ أن يقضيا معًا ثلاث ليالٍ ,
ليس فى الحديث باطبع أو فى الغناء أو فى التهجد, إنما فى المعاشرة,
وهو ما يفهم من لفظ ( فعشرة فيما بينهما ).
وبعد ذلك ـ إذا أحبا ـ أن يتزايدا تزايدا دون تحديد, فقد يتزايدان يومًا أو بعض يوم أو عامًا أو بعض عامٍ أو كما يشاءان,
وإذا احبا أن يتتاركا تتاركا ... هكذا دون تحديد لشئ ...
يكفى أن يقولا كما يذكر القول الدارج ... باى باى ... مع السلامة ...

إنتم تقبلون بهذا الرسول لمجرد كونه واردًا فى صحيح البخارى ... وتجرؤون على تسميته بالصحيح, وإذا أراد الواحد منكم أن يبرئ نفسه من الخطأ, قال: لم أخطئ فى صحيح البخارى, وكأنه قرآن آخر ...
باب رضاع الكبير
إن حديثنا هنا هويل لكننا نختصره, نؤكد لكم أن موقف كتب السنة الأخرى المعتمدة لديكم أسوأ بكثير, وإلا أفهمونا ما أفاضت به هذه الكتب فى باب رضاع الكبير, حيث ذكرت ما نخجل منه ولا تخجلون, وموجزه:
أن رسول الله قد سمح لزوجة أبى حذيفة أن ترضع سالمًا مولى أبى حذيفة وهو رجل كبير عدة رضعات مشبعات حتى يصبح ابنها من الرضاع فيدخل عليها ولا يغضب أبو حذيفة أو يشعر بالغيرة على زوجته وإلى هنا والحديث مفزع ولا نقول أكثر. [ الحديث وارد فى جميع كتب السنة فى باب رضاع الكبير].
لكن المخيف حقًا هو ما يكتمل الحديث به, حيث ذكر ان السيدة عائشة كانت تأخذ بهذه الرخصة وانها كانت إذا أرادت أن يدخل عليها رجل, امرت بنات إخواتها أو بنات أخواتها أن يرضعنه ثم يدخانه عليها بعد ذلك,
ويذكر الحديث أيضًا أنها لم تأبه باعتراض زوجات الرسول واعتقادهن أن تلك كانت رخصة لسالم وحده و لا تنصرف إلى غيره ...

أين أنت ياحمرة الخجل ... ألا تخجلون من نسبة هذا إلى الرسول الكريم وإلى زوجته, وإذا كنتم تقرون ذلك لزوجة الرسول باعتباره واردًا فى قدس الأقداس لديكم وهى كتب السنة المعتمدة منكم ( سنن أبى داود, وسنن النسائى, وسننن ابن ماجه, وسنن الدارمى, وموطأ مالك, ومسند أحمد بن حنبل ), نقول إذا كنتم تعتقدون فى ذلك حقًا, فلماذا لا تمارسونه ...

لقد سفهتم آراءنا بما احتملناه منكم, واتهمونا بممارسة البغاء ورضائنا به لبناتنا, وأتى دورنا الآن لكى نرد عليكم ونسألكم,
هل إذا دخل الرجل منكم على زوجته ووجدها ترضع رجلاً, يلتقم ثديها التقام الجائع النهم للطعام,
ويسيل لبن ثديها على شاربه ويتخلل لحيته,
هل تقبلون حجتها فى انها تتأسى ـ حسب قول كتب السنة المعتمدة لديكم ـ بالسيدة عائشة أم المؤمنين,
وأنها رخصة تاخذ بها زوجاتكم لإدخاله عليها بعد ذلك دون حرج ...
نستغفر الله لنا ولكم !!!.

وننصحكم ونحن لكم مخلصون, أن لا تتصوروا أنكم أصحاب حق مطلق لمجرد ورود حديث يؤيدكم هنا أو هناك, فليس كل ما ورد هنا أو هناك صحيحًا, والبخارى ليس أعلى شأنًا من الطبرى فى الاحتجاج, وكلهم يخطئ ويصيب,
والحديث الذى ذكرناه نقلاً عن الطبرى وارد بعدة طرق فى تفسير الثعلبى, وتفسير الرازى, وتفسير أبى حيان, وتفسير النيسابورى,
والفرق بيننا وبينكم أننا لا نقبل شيئًا دون تمحيص, ودون أن نعرضه على عقولنا وأفهامنا وقبل ذلك على قرآننا الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

نعم, جئتمونا بالبخارى, فجئناكم بالبخارى وبالطبرى,
وحديث بحديث, والإمام على هنا والإمام على هناك,
فإذا أغلقتم معنا هذه الصفحة, وهى صفحة الاحتجاج علينا بحديث مدسوس على الإمام على تتجاذبه الشبهات أغلقناه وأسقطنا أحد حديثين بهما وهما حديث ( على ) وحديث ( سبرة ),
ولم يبق إلا حديث سبرة وهو حديث تكفلت الكتب المعتمدة لديكم بطعنه وتجريحه,
فتارة يذكر سبرة أن حلّ الرسول للمتعة وتحريمه لها كانا فى فتح مكة, وتارة أخرى يذكر أنهما كانا فى حجة الوداع,
وفتح مكة كان فى رمضان سنة ثمان, وحجة الوداع فى ذى الحجة سنة عشر, وبين المناسبتين عامان كاملان,
وتارة سبرة هو الذى استمتع بالمرأة, وتارة أن الذى استمتع بها هو صاحبه,
وتارة أن برد سبرة كان خلقًا ( مستهلكًا ) وبرد صاحبه جديد, وتارة أن برد سبرة كان جديدًا وبرد صاحبه خلق,
وتارة أن سبرة استمتع بالمرأة ليلة واحدة, وتارة استمتع بها ثلاث ليالٍ كاملة ... [ جميع هذه الملاحظات مثبتة وموثقة فى الفصل الثانى من الكتاب : مداخلة توثيقية ].

هل يستقيم لديكم حديث مثل هذا؟, وهل يكفى لاستقامته أن يرد فى الصحاح أو السنن أو المسانيد ...
إن كان يستقيم لديكم فهو لا يستقيم لدينا ...

أين هذه الأحاديث المتضاربة من احاديث جابر بن عبدالله الأنصارى وعمر بن حصين وـاكيدهما أن المتعة لم تحرم إلا على يد عمر بن الخطاب,
وفى واقعة محددة هى واقعة عمر بن حريث ...
ومن حق عمر أن يجتهد كما يشاء, لكن من حقنا أيضًا أن لا نعلى اجتهاده فوق القرآن وفوق سنة الرسول ...

هل تصدقوننا إذا ذكرنا لكم أننا نرد عليكم والأسى يعصف بنا, لأننا مسلمون, ولو لم تبدأوا بعنف القول و بتجريح السلوك ما وصلنا معكم إلى هذا الحد, لكن البادئ أظلم ونحن نعفيكم من التعليق على ما سبق لأننا نعذركم فى موقفكم الصعب بل العصيب, ونقول لكم تعالوا معنا إلى كلمة سواء, ووازنوا الحجة بالحجة, وقارنوا الحديث بالحديث, وانتصفوا ليس لنا, بل للحقيقة ...

**************
[ 10 ]

فيرد السنة:
بل نحن أكرم كثيرًا, فقد سمعنا مثل ما قلتم وأكثر منكم ومن غيركم وقبلها من المستشرقين وعذر القائل بهذا قلة بضاعته فى علم الحديث, وعمى الألوان الذى يصيبه فلا يفرق بين الحديث الضعيف والحديث الحسن والحديث الصحيح, ولا بين المتواتر والمشهور, ولا بين الروايات المختلفة للحديث الواحد, وكيف يتم ترجيح رواية على أخرى, وقبول رواية ورفض ثانية ...
هذه كلها أمور يعلمها صبيان التلاميذ فى المعاهذ الدينية, والفرق بيننا وبينكم هو فرق فى المنهج, فأنتم تقبلون على كتب الأئمة العظام, إقبال الصائد للشذوذ, فإن وجده هلل, وإن لم يجده تخيله...
الباحث عن المثالب فإن وجدها قفز طربًا وإن لم يجدها لوى عنق الحقائق من أجلها, وأنتم تتخيلون أنكم وحدكم أصحاب العقول الراجحة, وإن كل شئ يجب أن يخضع للعقل والحجة والمنطق. وتتناسون أن منهجكم هذا لا يقود إلا إلى الشرك والإلحاد فى نهاية المطاف, فليس ثمة شك فى أن التفكير مطلوب والتدبر مرغوب وتحكيم العقل وارد, لكن ذلك كله يجب أن يكون مسبوقًا بالقلب العامر باليقين, والوجدان الممتلئ بالإيمان, وليس المبتلى بالشك, وبقدر من التواضع تدركون معه أن هناك ما تعلمونه ونعلمه, وأن هناك أيضًا ما لا يصل علمكم ولا علمنا إليه, وأن العقل فى النهاية قاصر وعاجز ومحدود ...

لقد ارتدتم الآن مسلكًا لو جاريناكم فيه لأوجعناكم وأصبنا منكم مقتلاً,
حين نتعرض لما ورد فى كتبكم من مفتريات على الأئمة وعلى الخلفاء الراشدين, بل على القرآن ذاته,
ولقد تظاهرتم منذ بداية الحديث باحترام السنة , فإذا أنتم كما إتضح لنا الآن لا تحملون لها إلا خالص الشك, وعميق عدم اليقين, وأخشى ما نخشاه أن يكون هذا هو مسلككم أيضًا مع القرآن الكريم,
بيد أننا لن نحاربكم أبدًا فى مسلككم هذا, وسوف نرتفع إلى مستوى من يبحث عن الحقيقة ويلتمس صحيح العقيدة, ويقترب من الآخرين وإن ابتعدوا, ويجمع شملهم وإن شردوا, ويدلهم على الصواب وإن جنحوا, وقد كنا دائمًا دعاة تقريب للمذاهب وانصار توحيد لطوائف المسلمين, ولن نسمح لاستفزازكم أن يجرنا إلى إستفزاز مماثل تكونون فيه من الخاسرين, وسنعود بكم إلى طريق الجادة بعد أن انحرفتم عنه, وإلى منهج الحوار وإن حاولتم التهرب منه, وقد سقنا حديث ( على ) فى البخارى, فرددتم بحديث لا سند له فى الطبرى, وللقارئ أن يقارن حديثًا بحديث, وسندًا بسند, ومرجعًا بمرجع, وإذا كنتم تتمسحون بالشارد والعارض والشاذ من القول فهذا شأنكم انتم, ودليلنا على أنكم تبحثون عن الشواذ لعلة فى نفس يعقوب, وتأخذون طرفًا من الحقيقة وليس الحقيقة كلها,
ويكفى ما تجاهلتموه من تعليق النسائى والدارقطنى على رواية حديث ( على ) عن أن نهى الرسول كان فى تبوك بقولهما أنه وهم تفرد به عبد الوهاب ( الراوية ) وهذا دليل على عدم أمانتكم فى النقل أو التحقق أو التوثيق,
وإذا كان اجتماع كل مراجع السنة على حديث ( على ) بشأن خيبر لا يصلح دليلاً لديكم أو عليكم, فمتى يصح الدليل ويستبين الحق, ونحن لا نتوقف أما اختلاف الرواية فى حديث ( سبرة بن معبد الجهنى ) لأن ما يهمنا هو جزئية واحدة فى القصة كلها, هى الأساس فيما استهدفه الحديث, وهى الفيصل بيننا وبينكم والحك فى قولنا وقولكم ونقصد بها قول رسول الله ت ص ت بان المتعة قد حُرّمت عليكم ( يقصد انها حرمت على جميع المسلمين إلا إذا كنتم تعتقدون أن المقصود بالمسلمين هم اهل السنة فقط ) إلى يوم القيامة, والمقصود بيوم القيامة لا يحتاج إلى توضيح أو تفسير, إلا إذا كنتم تعتبرون أن المقصود به هو قيام أحدكم برفض الحديث أو لوى عنق الحقيقة أو الإفتاء بحل ما حرمه الرسول الذى لا ينطق عن الهوى ...

أما عبدالله بن عباس فهو فعلاً حبر الأمة وبحرها, وهو فقيه لا تطاوله الأعناق, وإنما تطوله ألسنة العابثين بالادعاء عليه, وتلفيق القصص الوهمية عن أقواله وأفعاله, ليس طعنًا فيه, وإنما توسلاً بالافتراء عليه لطعن الإسلام ذاته, ولو سلك عبدالله بن عباس شعبًا وسلك باقى الصحابة والتابعين شعبًا آخر, وصح لدينا دليلهم أمام دليله المنفرد سلكنا سبيل الإجماع, ولتابعنا الجمهور وأسقطنا قول الفرد لأننا لا نقدس أحدًا من العباد ولا نعطيه العصمة حتى ولو كان ابن عباس,
ومع ذلك فقد أجرى الله على لسانه فأوضح فى نهاية حياته ما كان عليه من خطأ, وإن كنتم فى شك من هذا فما قولكم فيما نسب إلى عبد الله بن عباس فى نهاية حياته, من اعترافه بأن المتعة محظورٌ إباحته الضرورة أو الحال الشديد مثل طول العزبة أو طول الغربة أو السفر ...

ü فيرد الشيعة:
هذا فى تصوركم أقوى ما تردون به, وتكررونه, وتتصورونه أنه المخرج حتى تشعروا بضعف الحجة, وتوقنوا بصعوبة المكابرة فى الحق ...
إن عرضكم لهذا احديث المنسوب زورًا إلى عبدالله ين عباس يعنى ترتيبكم لأفكاركم على النحو التالى:
1. أن المتعة قد أحلت فى عهد الرسول.
2. أن ترخيص الرسول بالمتعة لم يكن مطلقًا بل كان مرتبطًا بظرف خاص مثل طول العزبة أو طول الغربة أو السفر ...
3. أن الرسول قد حرمها بعد ذلك تحريمًا مطلقًا ...
ولعلكم بهذا التسلسل ترحون انفسكم بتبرير مقنع لممارسة الصحابة للمتعة, وحتى تخرجوا من مأزق الاعتراف الصريح بإطلاق إباحته فى عهد الرسول, ونحن يسعدنا أن نرد على منطقكم المتسلسل أيضًا على النحو التالى:
1. نشكركم على اعترافكم بأن المتعة قد أُحلت فى عهد الرسول ولو أنه لا شكر على واجب.
2. حديثكم عن ارتباط المتعة بظروف استثنائية موجزة فى الغربة والسفر والغزو مردود عليه بإحالتكم إلى حديث سبرة الجهنى الذى تستندون إليه, والذى ذكر فيه سبرة أن الرسول قد رخص للمسلمين بالمتعة فى حجة الوداع, وذلك كما ورد فى سنن أبى داود وسنن ابن ماجه, ولم يكن بالمسلمين فى حجة الوداع خوف أو غربة شديدة أو سفر طويل أو عزبة شديدة, فالثابت فيه أن الصحابة قد سافروا ومعهم زوجاتهم وهذا ينفى ما ذكرتم ...
3. أما الحديث عن تحريم الرسول له إلى يوم القيامة فقد ذكرنا لكم أن لدينا من الأسانيد والأحاديث ما يقطع بأن من حرّمه هو عمر, ولا يزال لدينا من الأسانيد ما يقطع دابر هذه الحجة تمامًا, لأن أسانيدنا من الكتاب والسنة, وكما ألزمناكم الحجة فى حلّه فى حيلة الرسول فسوف نلزمكم الحجة بحله أبدًا, بيد أننا نود أن نسألكم عن سبب طرحكم للتساؤل حول ارتباط المتعة بالضرورة, وهل هى مجرد الرغبة فى المحاورة؟ ...
أم أنه التحرز, حتى إذا أثبتنا لكم حلال المتعة وجدتم مخرجًا بأن ذلك محظور تبيحه الضرورة, تمامًا مثل إباحة أكل الميتة للمضطر, كما يتغنى البعض منكم, أم أنه الاعتقاد بصحة الحديث فنصل سويًا إلى اتفاق عند منتصف الطريق, فنعتقد نحن بحل المتعة فى كل الأوقات والظروف بما لدينا من أدلة شرعية ونقلية وعقلية, وتعتقدون أنتم فى ظروف العزبة أو طول الغربة أو السفر, وتمارسونها بلا جناح عليكم فى هذه الحالات الاضطرارية؟..
أجيبونا على قدر عقولنا لو سمحتم ...هل هى مجرد الرغبة فى النقاش والمكابرة فى الحق؟, أم التحرز عند فشل الحجة؟, أم هو الاقتناع الحديث؟, وصدقونا نحن نشفق عليكم من الإجابة, لأن أى إجابة نتوقعها منكم, سوف تكون دليلاً لصالحنا وحجة عليكم ...
4. إنكم أول من يعلم بأن فتوى ابن عباس بحلّ المتعة حتى نهاية عمره قد تواترت إلى درجة أن من ينكرها ينكر معلومًا من الفقه بالضرورة, ولعلكم تذكرون حديث ابن عباس فى أواخر أيام حياته مع عبدالله بن الزبير, حين أشار إليه الأخير بقوله بلغنى أن الأعمى ( وكان ابن عباس قد عمى بصره قبيل وفاته ) يبيح المتعة, وتذكرون ما نقله الرواة متواترًا عن رد ابن عباس, وتلميحه إلى بردى عوسجة وسطوع المجامر فى بيت الزبير [ تذكر المراجع الشيعية وبعض كتب الأخبار والأدب نص هذه المحاورة, ومنها أن أول مجمر سطع فى المتعة هو مجمر آل الزبير .. سل أمك عن بردى عوسجة, وذلك على لسان عبدالله بن عباس موجهًا إلى عبدالله بن الزبير .. وسيرد ذكر هذه المحاورة ومصادرها ضمن التوثيق ].
وإذا كان ابن عباس هو أول من وثق المتعة بالنص القرآنى بروايته التى تذكرها كل كتب التفاسير, أيكون مقبولاً أو معقولاً أن يستند أحدكم إلى حديث شارد تدحضه عشرات الأحاديث الصحاح يفهم منه أنه اكتشف فى نهاية عمره أنه كان مخدوعًا بالأمر, بينما الآية التى ذكرها فى شأن المتعة , بروايته لها, لا مجال للبس فيها ولا لشك ولا لظن ...

**************
[ 11 ]

فيرد السنة:
حسبكم حسبكم ... لقد قبلنا منكم أن تحتجوا بالأحاديث, لأن السنة ظنية, ومجال الإثبات والترجيح فيها وارد, بينما القرآن قطعى, ومعاذ الله أن تنسبوا حل المتعة لله فى كتابه الكريم.

ü فيرد الشيعة:
بل هذه هى حجتنا الدامغة, وبرهاننا الساطع وإن رغمت أنوف, فالسنة ظنية كما ذكرتم, وقد سقتم أدلتكم من السنة, وسقنا أدلتنا, واختلفتم واختلفنا, ووثقتم ووثقنا, والذى يقضى بيننا هو كتاب الله, فأين تذهبون منه ...

**************
[ 12 ]

فيرد السنة:
كلنا آذان صاغية, فقط تذكروا أنه ليس هناك من هو أظلم ممن إدعى على الله كذبًا, تذكروا ذلك جيدًا ثم هاتوا البراهين ...

ü فيرد الشيعة:
حسنًا ...
**************
[ 13 ]

فيرد السنة:
لو سمحتم, ألا تلاحظون أن الكاتب يشير إلينا بالتوقف, ولعله يريد المداخلة, ألا نتركه قليلاً يحدث قراءه, ولتكن فرصة لكم لكى تراجعوا أنفسكم قبل الوقوع قى الخطأ, والمكابرة فى الإدعاء, والتصديق للوهم.

ü فيرد الشيعة:
بل أنتم الأحوج منا امراجعة النفس فيما فات, والاستعداد للرجوع إلى الحق فيما هو آت, وإلى الاستناد إلى الحجة والبرهان, وإلى الابتعاد عن الكلام الرنان الطنان, وعمومًا فليتفضل الكاتب بالمداخلة, وانترككم إلى حين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

زواج المتعة - الفصل الثاني من الباب الأول

الفصل الثانى

مداخلة توثيقية


" وقال ابن حزم ثبت على إباحتها بعد رسول الله ـ ص ـ ابن مسعود ومعاوية وأبو سعيد وابن عباس وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف وجابر وعمرو بن حريث ورواه جابر عن جميع الصحابة مدة رسول الله ـ ص ـ وأبى بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر قال ومن التابعين طاوس وسعيد بن جبير وعطاء وسائر فقهاء مكة ".
فتح البارى ـ ابن حجر العسقلانى.

عزيزى القارئ

قررت هنا أن أتدخل وأن أقطع الحوار, وظنى أنك مستمتع به, مستغرق فيه, متعجب منه, أما الاستمتاع فمرجعه إلى رقى مستواه,
وأما الاستغراق فمرجعه إلى خطورة محتواه, وأما التعجب فمرجعه إلى جدته وطرافته وغيابه عنك على كثرة ما سمعت من الفقهاء فى موضوعات أقل خطرًا وأهون شأنًا, وظنى أيضًا أنك قد فزعت لما استند إليه الفريقان, وكيف توافر فى نصوص السنة ما يستند إليه هذا وما يستند إليه ذاك على اختلاف الرأى بينهما بل على تضاده؟, ولعلك قد سألت نفسك أيضًا عن هذه الأحاديث التى استند إليها هذا والتى استند إليها ذاك وعن مصدرها وعن محتواها وعن إسنادها وعن فحواها, ولعلك فى حاجة إلى توثيق قررت أن أقوم به نيابة عن الطرفين المتحاورين, وكان بإمكانى أن أضع الأحاديث المسندة على لسان كل طرف خلال الحوار, وأن أحصل عليها من كتب الطرفين عند تعرضها لهذا الموضوع الحساس, ولعل هذا كان السبيل الأسهل, ولكنه سبيل تكتنفه مخاطر شتى تتناقض مع منهجية البحث وأسلوبه العلمى, لأن كل طرف يقتصر على حجته, ويزين من أسانيده لها, ويهمل أسانيد الطرف الآخر ويشكك فيها, ولم يكن أمامى من سبيل إلا أن أرجع إلى المصادر الأصلية, وإلا أن أنقل منها نقلاً كاملاً, مع تعليقات محدودة وترتيب مقصود بحيث يتعرف القارئ على أسانيد كل طرف,
ولعله سوف يتبين يقينًا أن الطرفين لا ينطلقان من فراغ, ولعله سوف يتوقف أمام حقيقة مذهلة لكنها حقيقة على آية حال وهى أنه لو قصر منهجه فى قبول الحديث أو رفضه على السند أو على وروده فى الصحاح أو على تواتره فى كتب الأحاديث المعتمدة.
لوصل إلى نتيجة يأباها عقله وضميره وهى أن زواج المتعة حلال وحرام فى آن واحد, وأن الرسول هو الذى حرمها إلى الأبد وأن عمر هو الذى حرمها بعد أن كانت مستمره فى عهد الرسول وعهد أبى بكر وصدر عهد عمر فى آن واحد, وأن عليًا أعلن حرمة المتعة وأن عليًا أيضًا لم يعلن ذلك وإنما أشار إلى تحريم عمر لها بقول فيه غير قليل من الإنكار فى آن واحد, وأن عبد الله بن عباس أصر على حل المتعة فىآخر حياته وانه تراجع عن حل المتعة إلا فى حالة الضرورة فى آخر حياته فى آن واحد, وهكذا, ولعلنا لا نرى فى ذلك بأسًا, ولا نراه يبعث على الشك فى كتب السنة بقدر ما نراه دافعًا إلى إعمال العقل وإلى ترجيح الحجج وموازنتها بالمنطق, وإلى ضرورة أن يتوازى السند والمتن فى الحكم على صحة الحديث, وهو منهج يراه البعض إثمًا ونراه ضرورة, وأذكر فى هذا الصدد عالمًا دينيًا كبيرًا يشغل منصب عميد إحدى الكليات الأزهرية, ذكر فى محاضرة له حديثًا غريبًا عن ظهور المهدى المنتظر فى الشام ومحاربته للسفيانى ولقائه به فى ( المنارة ) فى الشام ... إلى آخر الحديث,

وقد اصطدم الحديث بعقلى ووجدانى فى عنف شديد, ولما راجعته سائلاً عن بعض تفاصيل الحديث, وعن مدى معقولية متنه, ومدى صحة إسناده نظر إلى فى تعال شديد, وصعد بصره إلى وجهى, وركز عينيه فى عينى, وأجاب فى بطء شديد وكأنه يتلذذ بهزيمتى: إن الحديث وارد فى صحيح مسلم ثم ابتسم فى خبث أو تخابث ـ لا أدرى ـ وعاد يصوب نظرته إلى مع إبتسامة لم ينجح فى إخفائها متشفيًا مما تصوره هزيمتى بالضربة القاضية ... ولم أملك إلا الصمت احترامًا لدعوة صاحب المكان ومدير الندوة ... أمثال هذا الأستاذ الجليل سوف يفقدون توازنهم وهم يراجعون أحاديث المتعة فى صحيح مسلم بالتحديد, وهم أيضًا يتطوعون بتقديم أنفسهم لقمة سائغة للطرف الآخر فى الحوار, ولعلهم سوف يخرجون منه فى جولته الأولى السابقة, إن جاز استعمال تعبير الجولة فى حوار ساخن مثل هذا, أما الذين سيبقون, وهم كثر, فهم من وهبهم الله نعمة التفكير والعقل والتدبر والاجتهاد ... وما علينا, بل علينا أن نعرض وثائق الطرفين من مصادرها الأصلية ( السنية ) ولا نعتذر فى هذا للطرف الآخر وهم الشيعة لأنهم يستندون إلى هذه المصادر نفسها, ولسنا نشك فى أن هذه المداخلة ( التوثيقية ) ضرورة ليس فقط لطرفى الحوار, وليس فقط للقراء, وإنما أيضًا للمتشككين فيما نكتبه, والمتصورين دائمًا وأبدًا سوء النية وفساد القصد, والمتخيلين أننا فيما نكتبه نأخذ بأطراف القول ولا ناخذ أنفسنا بالصعب من البحث والكثير من الجهد, والمرهق من تقصى الحقائق فى مصادرها,

وتبقى ملاحظة نراها هامة وهى أن من حق القارئ ـ إن شاء ـ أن يعبر هذه المداخلة حتى يستكمل الحوار, وأن يعود إليها ـ إن شاء ـ بعد أن يستكمله لكى يتأكد من صحة أسانيد الطرفين أو من أمانتنا فى التوثيق, والله, واحترام العقل وهو منهج إلهى ـ من وراء القصد ...

********************


المرجع الأول: صحيح البخارى

ورد فى صحيح البخارى أربعة أحاديث فى باب ( نهى رسول الله عن نكاح المتعة آخرًا ), وأحد هذه الأحاديث وهو حديث على بن أبى طالب تكرر فى ثلاثة مواضع أخرى من الصحيح كل منها فى باب مختلف مع اختلاف طفيف فى الرواية.

الحديث الأول ومكرراته:
يذكر الحديث عن على بن أبى طالب أن الرسول نهى عن زواج المتعة فى غزوة خيبر, وقد تكرر أربع مرات, اثنتين دون ذكر المناسبة,
واثنتين تذكران المناسبة وهى الرد على عبد الله بن عباس ( أو على الناقلين عن ابن عباس ) الذى كان لا يرى بمتعة النساء بأسًا, وفيما يلى الأحاديث الأربعة:

1 ـ { 4825- حدثنا مالك بن إسماعيل: حدثنا ابن عيينة: أنه سمع الزهري يقول: أخبرني الحسن بن محمد بن علي، وأخوه عبد الله، عن أبيهما: أن عليًا رضي الله عنه قال لابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية، زمن خيبر }. [ راجع : 3979]‏
. [ الحمر الأهلية أو الأنسبة يقصد بها: الحيوانات الأليفة التى تألف البيوت ].
[ جزء الثالث. 70 ـ كتاب النكاح. 32 ـ باب: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة آخرًا ].
2 ـ { 3979 ـ حدثني يحيى بن قزعة: حدثنا ملك، عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية }. [4825، 5203، 6560] [ ش أخرجه مسلم في النكاح، باب: نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ. وفي الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل لحم الحمر الإنسية، رقم: 1407 (متعة النساء) زواج المرأة لمدة معينة، بلفظ التمتع، على قدر من المال. كان مباحا ثم حرم باتفاق من يعتد به من علماء المسلمين ].‏[ صحيح البخاري: وجدت في: 36 - باب: غزوة خيبر].
3 ـ { 6560 ـ حدثنا مسدد: حدثنا يحيى، عن عبيد الله بن عمر: حدثنا الزُهري، عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي، عن أبيهما:
أن علياً رضي الله عنه قيل له: إن ابن عباس لا يرى بمتعة النساء بأساً، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية }. [ راجع :3979]. وقال بعض الناس: إن احتال حتى تمتع فالنكاح فاسد. وقال بعضهم: النكاح جائز والشرط باطل.‏ [ صحيح البخاري وجدت في: 4 - باب: الحيلة في النكاح ]

4 ـ { 5203 ـ حدثنا عبد الله بن يوسف: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما، عن علي رضي الله عنهم قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة عام خيبر، وعن لحوم حُمُر الإنسية }. [ راجع : 3979 ]‏ [ صحيح البخاري: الجزء الرابع. 75 - كتاب الذبائح والصيد. 28 - باب: لحوم الحُمُر الإنسية ].

الحديث الثانى:

يشير هذا الحديث إلى ترخيص عبدالله بن عباس فى متعة النساء ثم قصره الترخيص ( بعد مراجعته ) على الضرورة.

4826 - حدثنا محمد بن بشار: حدثنا غندر: حدثنا شعبة، عن أبي جمرة قال:
سمعت ابن عباس: يسأل عن متعة النساء فرخص، فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد وفي النساء قلة ؟ أونحوه، فقال ابن عباس: نعم [ ش ( متعة النساء ) عقد الزواج على المرأة لمدة معينة، وقد نسخ أخيرا. ( الحال الشديد) أي حال كثرة الرجال وتوقانهم إلى النساء، مع قلة في النساء لا تسد هذه الحاجة، وعلى كل فهذا رأي ابن عباس رضي الله عنهما، والجمهور على خلافه، وأنما رخص بها بشروط وقيود كما ترى من الحديث، وقد نقل أن ابن جبير قال له: لقد سارت بفتياك الركبان وقال فيها الشعراء ؟ فقال: والله ما بهذا أفتيت، وما هي إلا كالميتة، لا تحل إلا للمضطر].‏
[ صحيح البخاري : وجدت في: 32 - باب: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة آخرا ].

الحديث الثالث:
فى ترخيص رسول الله ـ ص ـ بالمتعة: { 4827 ـ حدثنا علي: حدثنا سفيان: قال عمرو، عن الحسن بن محمد، عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع قالا: كنا في جيش، فأتانا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه قد أذن لكم أن تستمتعوا، فاستمتعوا }. [ صحيح البخاري : الجزء الثالث. 70 - كتاب النكاح. 32 - باب: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة آخرا].

الحديث الرابع:
ورغم أن المتعة لم يرد صريحًا فى الحديث إلا أنه فى تقديرنا يختص بترخيص المتعة لسببين هامين: أولهما ورود الحديث فى صحيح البخارى تحت عنوان نكاح المتعة وثانيهما أن إطلاق الحديث دون قصره على المتعة دلالته خطيرة يأباها الإسلام والمسلمون ويأبون نسبتها لرسول الكريم. { وقال ابن أبي ذئب: حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، عن رسول الله ـ ص ـ: ( أيما رجل وامرأة توافقا، فعشرة ما بينهما ثلاث ليال، فإن أحبا أن يتزايدا، أويتتاركا تتاركا ). فما أدري أشيء كان لنا خاصة، أم للناس عامة. قال أبوعبد الله: وبينه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه منسوخ }. [ ش أخرجه مسلم في النكاح، باب: نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ..، رقم: 1405
( توافقا ) في النكاح بينهما مطلق من غير ذكر أجل. ( فعشرة ما بينهما ) أي إن الإطلاق يحمل على معاشرة ثلاثة أيام بلياليها ].‏

********************
المرجع الثانى: صحيح مسلم

وردت جميع الأحاديث فى كتاب النكاح ( كتاب 16 ), وفى الباب الثالث منه وعنوانه: ( باب نكاح المتعة, وبيان أنه أبيح ثم نسخ, ثم أبيح ثم نسخ, واستقر تحريمه إلى يوم القيامة ). النسخة التى اعتمدنا عليها فى النقل هى: صحيح مسلم ـ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقى ـ دار إحياء التراث العربى ـ بيروت ـ خمسة أجزاء. واضح من العنوان رأى الإمام مسلم فى أن نكاح المتعة قد أبيح مرتين ونسخ مرتين,
وفى شرح الإمام النووى ( هامش ص 1022 ـ صحيح مسلم ـ المرجع السابق ) قال: " الصواب المختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين: فكانت حلالاً قبل خيبر, ثم حرمت يوم خيبر, ثم أبيحت يوم فتح مكة, وهو يوم أوطاس, لاتصالهما, ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة أيام تحريمًا مؤيدًا إلى يوم القيامة, قال القاضى: واتفق العلماء على أن هذه المتعة كانت نكاحًا إلى أجل ـ لا ميراث فيها, وفراقها يحصل بعد انقضاء الأجل من غير طلاق". وقد ورد فى الباب المشار إليه تسعة وعشرون حديثًا أغلبها مكرر عن نفس المصادرمع اختلاف الرواية, لذا لزم تصنيفها وترتيبها وفقًا لمصدرها.

1 ـ أحاديث ثلاثة تمثل تكرارًا لحديث واحد عن عبدالله بن مسعود مع اختلاف طفيف فى الرواية, والأحاديث الثلاثة ترخّص بالمتعة دون ذكر للنهى عنها:

الحديث الأول : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمَدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيعٌ، وَابْنُ بِشْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ:
كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَ ـ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلاَ نَسْتَخْصِي؟
فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللهِ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87]. [ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1022 ].

-----------------------------------------
اعلم أنَّ القاضي عياضاً بسط شرح هذا الباب بسطاً بليغاً وأتى فيه بأشياء نفيسة وأشياء يخالف فيها، فالوجه أن ننقل ما ذكره مختصراً ثمَّ نذكر ما ينكر عليه ويخالف فيه وننبِّه على المختار.
قال المازريُّ: ثبت أنَّ نكاح المتعة كان جائزاً في أوَّل الإسلام، ثمَّ ثبت بالأحاديث الصَّحيحة المذكورة هنا: أنَّه نسخ وانعقد الإجماع على تحريمه، ولم يخالف فيه إلاَّ طائفة من المستبدعة، وتعلَّقوا بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد ذكرنا أنَّها منسوخة فلا دلالة لهم فيها، وتعلَّقوا بقوله تعالى: { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 24] وفي قراءة ابن مسعود: { فما استمتعتم به منهن إلى أجل} وقراءة ابن مسعود هذه شاذَّة لا يحتجّ بها قرآناً ولا خبراً ولا يلزم العمل بها.
قال: وقال زفر: من نكح نكاح متعة تأبَّد نكاحه، وكأنَّه جعل ذكر التَّأجيل من باب الشُّروط الفاسدة في النِّكاح فإنَّها تلغى ويصحُّ النِّكاح.
قال المازريُّ: واختلفت الرِّواية في ( صحيح مسلم ) في النَّهي عن المتعة، ففيه أنَّه ـ صَ ـ نهى عنها يوم خيبر، وفيه أنَّه نهى عنها يوم فتح مكَّة، فإن تعلَّق بهذا من أجاز نكاح المتعة وزعم أنَّ الأحاديث تعارضت، وأنَّ هذا الاختلاف قادح فيها.
قال القاضي عياض: روى حديث إباحة المتعة جماعة من الصَّحابة: فذكره مسلم من رواية ابن مسعود، وابن عبَّاس، وجابر، وسلمة بن الأكوع، وسبرة بن معبد الجهنيّ، وليس في هذه الأحاديث كلّها أنَّها كانت في الحضر وإنَّما كانت في أسفارهم في الغزو عند ضرورتهم وعدم النِّساء مع أنَّ بلادهم حارَّة وصبرهم عنهنَّ قليل. ( ج/ص: 9/180)
وقد ذكر في حديث ابن أبي عمر أنَّها كانت رخصة في أوَّل الإسلام لمن اضطرَّ إليها كالميتة ونحوها.
وعن ابن عبَّاس ـ رَض ـ نحوه.
وذكر مسلم عن سلمة بن الأكوع: إباحتها يوم أوطاس.
ومن رواية سبرة: إباحتها يوم الفَّتح وهما واحد ثمَّ حرِّمت يومئذ.
وفي حديث عليٍّ: تحريمها يوم خيبر وهو قبل الفتح.
وذكر غير مسلم عن عليّ أنَّ النَّبيَّ ـ صَ ـ نهى عنها في غزوة تبوك، من رواية إسحاق بن راشد، عن الزُّهريِّ، عن عبد الله بن محمَّد بن عليٍّ، عن أبيه، عن عليِّ ولم يتابعه أحد على هذا، وهو غلط منه.
وهذا الحديث: رواه مالك في ( الموطَّأ ) وسفيان بن عيينة، والعمريُّ، ويونس وغيرهم عن الزُّهريِّ، وفيه يوم خيبر.
وكذا ذكره مسلم عن جماعة عن الزُّهريِّ وهذا هو الصَّحيح.
وقد روى أبو داود من حديث الرَّبيع بن سبرة عن أبيه: النَّهي عنها في حجَّة الوداع.
قال أبو داود: وهذا أصحُّ ما روي في ذلك.
وقد روي عن سبرة أيضاً إباحتها في حجَّة الوداع ثمَّ نهى النَّبيُّ ـ صَ ـ عنها حينئذ إلى يوم القيامة.
وروي عن الحسن البصريّ: أنَّها ما حلَّت قط إلاَّ في عمرة القضاء.
وروي هذا عن سبرة الجهنيِّ أيضاً.
ولم يذكر مسلم في روايات حديث سبرة تعيين وقت إلاَّ في رواية محمَّد بن سعيد الدَّارميّ، ورواية إسحاق بن إبراهيم، ورواية يحيى بن يحيى، فإنَّه ذكر فيها يوم فتح مكَّة.
قالوا: وذكر الرِّواية بإباحتها يوم حجَّة الوداع خطأ لأنَّه لم يكن يومئذ ضرورة ولا عزوبة وأكثرهم حجُّوا بنسائهم.
والصَّحيح أنَّ الَّذي جرى في حجَّة الوداع مجرد النَّهي كما جاء في غير رواية، ويكون تجديده ـ صَ ـ النَّهي عنها يومئذ لاجتماع النَّاس وليبلِّغ الشَّاهد الغائب، ولتمام الدِّين وتقرّر الشَّريعة كما قرّر غير شيء، وبيَّن الحلال والحرام يومئذ، وبتَّ تحريم المتعة حينئذ لقوله: (إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ).
قال القاضي: ويحتمل ما جاء من تحريم المتعة يوم خيبر، وفي عمرة القضاء، ويوم الفتح، ويوم أوطاس، أنَّه جدَّد النَّهي عنها في هذه المواطن، لأنَّ حديث تحريمها يوم خيبر صحيح لا مطعن فيه بل هو ثابت من رواية الثِّقات الأثبات، لكن في رواية سفيان أنَّه نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهليَّة يوم خيبر.
فقال بعضهم: هذا الكلام فيه انفصال، ومعناه: أنَّه حرَّم المتعة ولم يبيِّن زمن تحريمها.
ثمَّ قال: ولحوم الحمر الأهليَّة يوم خيبر، فيكون يوم خيبر لتحريم الحمر خاصَّة ولم يبيِّن وقت تحريم المتعة ليجمع بين الرِّوايات.
قال هذا القائل: وهذا هو الأشبه أنَّ تحريم المتعة كان بمكَّة، وأمَّا لحوم الحُمر فبخيبر بلا شكٍّ. ( ج/ ص: 9/181) قال القاضي: وهذا أحسن لو ساعده سائر الرِّوايات عن غير سفيان.
لكن يبقى بعد هذا ما جاء من ذكر إباحته في عمرة القضاء ويوم الفتح ويوم أوطاس، فتحتمل أنَّ النَّبيَّ ـ صَ ـ أباحها لهم للضَّرورة بعد التَّحريم ثمَّ حرَّمها تحريماً مؤبَّداً، فيكون حرَّمها يوم خيبر، وفي عمرة القضاء، ثمَّ أباحها يوم الفتح للضَّرورة، ثمَّ حرَّمها يوم الفتح أيضاً تحريماً مؤبَّداً.

وتسقط رواية إباحتها يوم حجَّة الوداع لأنَّها مرويَّة عن سبرة الجهنيِّ، وإنَّما روى الثِّقات الأثبات عنه الإباحة يوم فتح مكَّة.
والَّذي في حجَّة الوداع إنَّما هو: التَّحريم فيؤخذ من حديثه ما اتَّفق عليه جمهور الرُّواة ووافقه عليه غيره من الصَّحابة ـ رَض ـ من النَّهي عنها يوم الفتح، ويكون تحريمها يوم حجَّة الوداع تأكيداً وإشاعة له كما سبق.
وأمَّا قول الحسن: إنَّما كانت في عمرة القضاء لا قبلها ولا بعدها فتردّه الأحاديث الثَّابتة في تحريمها يوم خيبر وهي قبل عمرة القضاء، وما جاء من إباحتها يوم فتح مكَّة ويوم أوطاس، مع أنَّ الرِّواية بهذا إنَّما جاءت عن سبرة الجهنيِّ، وهو: راوي الرِّوايات الأخر وهي أصحّ فيترك ما خالف الصَّحيح.
وقد قال بعضهم: هذا ممَّا تداوله التَّحريم والإباحة والنَّسخ مرَّتين، واللَّه أعلم، هذا آخر كلام القاضي.
والصَّواب المختار: أنَّ التَّحريم والإباحة كانا مرَّتين، وكانت حلالاً قبل خيبر، ثمَّ حرِّمت يوم خيبر، ثمَّ أبيحت يوم فتح مكَّة وهو يوم أوطاس لاتِّصالهما، ثمَّ حرِّمت يومئذ بعد ثلاثة أيَّام تحريماً مؤبَّداً إلى يوم القيامة واستمرَّ التَّحريم.
وكان ابن عباس ـ رَض ـ يقول بإباحتها، وروي عنه أنَّه رجع عنه.
قال: وأجمعوا على أنَّه متى وقع نكاح المتعة الآن حكم ببطلانه سواء كان قبل الدُّخول أو بعده إلاَّ ما سبق عن زفر.
واختلف أصحاب مالك هل يُحَدُّ الواطئ فيه؟
ومذهبنا: أنَّه لا يحدُّ لشبهة العقد وشبهة الخلاف، ومأخذ الخلاف اختلاف الأصوليِّين في أنَّ الإجماع بعد الخلاف هل يرفع الخلاف وتصير المسألة مجمعاً عليها. (ج/ ص: 9/182)

الحديث الثانى:
{ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِير، عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ، مِثْلَهُ.
وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا هَذِهِ الآيَةَ، وَلَمْ يَقُلْ: قَرَأَ عَبْدُ اللهِ }[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1022 ].


الحديث الثالث:
{ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الإسْنَادِ.
قَالَ: كُنَّا -وَنَحْنُ شَبَابٌ- فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَلا نَسْتَخْصِي؟ وَلَمْ يَقُلْ: نَغْزُو}.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1022 ].

2ـ حديثان عن سلمة بن الأكوع وجابر بن عبدالله يفيدان ترخيص الرسول ـ ص ـ بالمتعة, دون ذكر للنهى عنهما:
الحديث الأول :
{ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ يُحَدِّثُ، عَنْ جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالاَ: خَرَجَ عَلَيْنَا مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ـ صَ ـ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ـ ص ـ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا ـ يَعْنِي: مُتْعَةَ النِّسَاءِ ـ }.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1022 ].

-----------------------------------------
قال القاضي: وأجمعوا على أنَّ من نكح نكاحاً مطلقاً ونيَّته أن لا يمكث معها إلاَّ مدَّة نواها، فنكاحه صحيح حلال وليس نكاح متعة، وإنَّما نكاح المتعة ما وقع بالشَّرط المذكور. ولكن قال مالك: ليس هذا من أخلاق النَّاس. وشذَّ الأوزاعيُّ فقال: هو نكاح متعة ولا خير فيه، واللَّه أعلم.
قوله: ( فَقُلْنَا: أَلاَ نَسْتَخْصِي؟. فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ) فيه: موافقة لما قدَّمناه في الباب السَّابق من تحريم الخصي لما فيه من تغيير خلق اللَّه، ولما فيه: من قطع النَّسل وتعذيب الحيوان، واللَّه أعلم. قوله: ( رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ) أي: بالثوب وغيره ممَّا نتراضى به.
قوله: ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللهِ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ } فيه: إشارة إلى أنَّه كان يعتقد إباحتها، كقول ابن عبَّاس، وأنَّه لم يبلغه نسخها.

الحديث الثانى:
{ وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ ـ يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ ـ حَدَّثَنَا رَوْحٌ ـ يَعْنِي: ابْنَ الْقاسِمِ ـ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَ ـ أَتَانَا، فَأَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ }. [ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1022 ]. هكذا هو في بعض النُّسخ، وسقط في بعضها ذكر الحسن بن محمد، بل قال: عن عمرو بن دينار، عن سلمة وجابر.

3ـ ثلاثة أحاديث عن جابر بن عبدالله تفيد الاستمتاع على عهد الرسول وأبى بكر وعمر بن الخطاب, وأن الذى حرمها هو عمر:
الحديث الأول :
{ وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: قَدِمَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مُعْتَمِراً، فَجِئْنَاهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَسَأَلَهُ الْقَوْمُ عَنْ أَشْيَاءَ، ثُمَّ ذَكَرُوا الْمُتْعَةَ. فَقَالَ: نَعَمِ، اسْتَمْتَعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ـ صَ ـ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ }.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1022 ].

الحديث الثانى:
{ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقُبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ وَالدَّقِيقِ الأَيَّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ـ صَ ـ وَأَبِي بَكْرٍ، حَتَّى نَهَى عَنْهُ عُمَرُ، فِي شَأْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ }.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1022 ].

الحديث الثالث:
{ حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ -يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَأَتَاهُ آتٍ فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ. فَقَالَ جَابِرٌ: فَعَلْنَاهُمَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَ ـ ثُمَّ نَهَانَا عَنْهُمَا عُمَرُ، فَلَمْ نَعُدْ لَهُمَا }.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1023 ].

4ـ حديث يفيد ترخيص الرسول ـ ص ـ بالمتعة عام أوطاس ثم نهيه عنها:

{ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ـ صَ ـ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلاَثاً، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا }. [ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1023 ].

5ـ أحاديث سبرة الجهنى وهى اثنا عشر حديثًا:
وهى تحكى قصة سبرة وصاحبه مع جارية من بنى عامر, وكيف تمتعا بعد أن أذن الرسول بالمتعة, ثم كيف حرّم الرسول المتعة بعد ذلك ( إلى يوم القيامة فى بعض الروايات ) واثنان من هذه الأحاديث يقتصران على النهى دون القصة ودون ذكر لحلها سابقًا:

الحديث الأول :
{ وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ سَبْرَةَ أَنَّه قَالَ: أَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَ ـ بِالْمُتْعَةِ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، كَأَنَّهَا بَكْرَةٌ عَيْطَاءُ، فَعَرَضْنَا عَلَيْهَا أَنْفُسَنَا. فَقَالَتْ: مَا تُعْطِي؟ فَقُلْتُ: رِدَائِي. وَقَالَ صَاحِبِي: رِدَائِي، وَكَانَ رِدَاءُ صَاحِبِي أَجْوَدَ مِنْ رِدَائِي، وَكُنْتُ أَشَبَّ مِنْهُ، فَإِذَا نَظَرتْ إِلَى رِدَاءِ صَاحِبِي أَعْجَبَهَا، وَإِذَا نَظَرَتْ إِلَيَّ أَعْجَبْتُهَا. ثُمَّ قَالَتْ: أَنْت وَرِدَاؤكَ يَكْفِينِي. فَمَكَثْتُ مَعَهَا ثَلاَثاً. ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَ ـ قَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ الَّتِي يَتَمَتَّعُ، فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا" }. [ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1023, 1024 ].
-----------------------------------------
قوله: ( رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ـ صَ ـ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلاَثاً، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا ) هذا: تصريح بأنَّها أبيحت يوم فتح مكَّة، وهو ويوم أوطاس شيء واحد.
وأوطاس: واد بالطَّائف، ويصرف ولا يصرف، فمن صرفه أراد الوادي والمكان، ومن لم يصرفه أراد البقعة كما في نظائره، وأكثر استعمالهم له غير مصروف.
قوله: ( فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، كَأَنَّهَا بَكْرَةٌ عَيْطَاءُ ) أمَّا البكرة: فهي الفتيَّة من الإبل، أي: الشَّابَّة القويَّة، وأمَّا العيطاء: الطَّويلة العنق في اعتدال وحسن قوام، والعيط ( بفتح العين والياء ) طول العنق. (ج/ ص: 9/185).

الحديث الثانى:
{ حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ -يعْنِي: ابْنَ مُفَضَّلٍ ـ حَدَّثَنَا عُمَارَةَ بْنُ غَزِيَّةَ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ: أَنَّ أَبَاهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَ ـ فَتْحَ مَكَّةَ، قَالَ: فَأَقَمْنَا بِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ ـ ثَلاَثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ ـ فَأَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَ ـ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ. فَخَرَجْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، وَلِي عَلَيْهِ فَضْلٌ فِي الْجَمَالِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الدَّمَامَةِ، مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا بُرْدٌ، فَبُرْدِي خَلَقٌ، وَأَمَّا بُرْدُ ابْنِ عَمِّي فَبُرْدٌ جَدِيدٌ غَضٌّ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَسْفَلِ مَكَّةَ ـ أَوْ بِأَعْلاَهَا ـ فَتَلَقَّتْنَا فَتَاةٌ مِثْلُ الْبَكْرَةِ الْعَنَطْنَطَةِ. فَقُلْنَا: هَلْ لَكِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْكِ أَحَدُنَا؟ قَالَتْ: وَمَاذَا تَبْذُلاَنِ؟
فَنَشَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بُرْدَهُ، فَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، وَيَرَاهَا صَاحِبِي تَنْظُرُ إِلَى عِطْفِهَا. فَقَالَ: إِنَّ بُرْدَ هَذَا خَلَقٌ وَبُرْدِي جَدِيدٌ غَضٌّ.
فَتَقُولُ: بُرْدُ هَذَا لاَ بَأْسَ بِهِ، ثَلاَثَ مِرَارٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ. ثُمَّ اسْتَمْتَعْتُ مِنْهَا، فَلَمْ أَخْرُجْ حَتَّى حَرَّمَهَا رَسُولُ اللهِ ـ صَ ـ }.
-----------------------------------------
قوله ـ صَ ـ: ( مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ الَّتِي يَتَمَتَّعُ، فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا) هكذا هو في جميع النُّسخ ( الَّتِي يَتَمَتَّعُ، فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا ) أي: يتمتَّع بها فحذف بها لدلالة الكلام عليه، أو أوقع يتمتَّع موقع يباشر، أي: يباشرها وحذف المفعول. قوله: ( وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الدَّمَامَةِ) هي: بفتح الدَّال المهملة، وهي: القبح في الصُّورة. قوله: ( فَبُرْدِي خَلَقٌ) هو: بفتح اللاَّم أي: قريب من البالي. قوله: ( فَتَلَقَّتْنَا فَتَاةٌ مِثْلُ الْبَكْرَةِ الْعَنَطْنَطَةِ ) هي: كالعيطاء، وسبق بيانها. وقيل: هي الطَّويلة فقط، والمشهور الأوَّل. قوله: ( تَنْظُرُ إِلَى عِطْفِهَا ) هو: بكسر العين، أي: جانبها، وقيل: من رأسها إلى وركها. (ج/ ص: 9/186). وليلاحظ القارئ هنا وفى بعض أحاديث التالية, ذكر زمن النهى عن المتعة وهو فتح مكة,
وهى المناسبة الثالثة للتحريم ( الثانية إذا تم الجمع بينهما وبين أوطاس لتقاربهما ).

الحديث الثالث:
{ وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَ ـ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ بِشْرٍ. وَزَادَ: قَالَتْ: وَهَلْ يَصْلُحُ ذَاكَ؟ وَفِيهِ: قَالَ: إِنَّ بُرْدَ هَذَا خَلَقٌ مَحٌّ }.

الحديث الرابع:
{ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَ ـ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الاستمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ، وَلاَ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً" }.

الحديث الخامس:
{ وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ، بِهَذَا الإسْنَادِ. قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَ ـ قَائِماً بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، وَهُوَ يَقُولُ: بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ }. [ يقصد الحديث السابق ].
-----------------------------------------
وفي هذا الحديث: دليل على أنَّه لم يكن في نكاح المتعة وليٌّ ولا شهود.
وفي هذا الحديث: التَّصريح بالمنسوخ والنَّاسخ في حديث واحد من كلام رسول الله ـ صَ ـ كحديث: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها). وفيه: التَّصريح بتحريم نكاح المتعة إلى يوم القيامة، وأنَّه يتعيَّن تأويل قوله في الحديث السَّابق أنَّهم كانوا يتمتَّعون إلى عهد أبي بكر وعمر . [ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1025 ].

الحديث السادس:
{ حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ:
أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَ ـ بِالْمُتْعَةِ، عَامَ الْفَتْحِ، حِينَ دَخَلْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ لَمْ نَخْرُجْ مِنْهَا حَتَّى نَهَانَا عَنْهَا [ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1025 ].

الحديث السابع:
{ وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي رَبِيعَ بْنَ سَبْرةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبْيِهِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ:
أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ـ صَ ـ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّمَتُّعِ مِنَ النِّسَاءِ. قَالَ: فَخَرَجْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، حَتَّى وَجَدْنَا جَارِيَةً مِنْ بَنِي عَامِرٍ، كَأَنَّهَا بَكْرَةٌ عَيْطَاءُ، فَخَطَبْنَاهَا إِلَى نَفْسِهَا، وَعَرَضْنَا عَلَيْهَا بُرْدَيْنَا، فَجَعَلَتْ تَنْظُرُ فَتَرَانِي أَجْمَلَ مِنْ صَاحِبِي، وَتَرَى بُرْدَ صَاحِبِي أَحْسَنَ مِنْ بُرْدِي، فَآمَرَتْ ( شاورت ) نَفْسَهَا سَاعَةً ثُمَّ اخْتَارَتْنِي عَلَى صَاحِبِي، فَكُنَّ مَعَنَا ثَلاَثَاً، ثُمَّ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ـ ص ـ بِفِرَاقِهِنَّ }.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1025 ].

ملحوظة هامة: يذكر سبرة هنا أن صاحبه من بنى سليم, وبنو سليم ليسوا من جهينة قوم سبرة, وهو ما يختلف مع رواية الحديث الثانى : ( فخرجت أنا ورجل من قومى ), فسبرة من جهينة, وجهينة أبو بطن من قضاعة بن معد بن عدنان, أما بنو سليم فهم بطن من معشر مضر بن نزاد بن معد بن عدنان.

الحديث الثامن:
{ حَدَّثَنَا عَمْروٌ النَّاقِدُ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَ ـ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ }. [ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1026 ].

الحديث التاسع:
{ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَ ـ نَهَى يَوْمَ الْفَتْحِ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ }.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1026 ].

الحديث العاشر:
{ وَحَدَّثَنِيهِ حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَعَقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَ ـ نَهَى عَنِ الْمُتَعَةِ زَمَانَ الْفَتْحِ ـ مُتْعَةِ النِّسَاءِ ـ وَأَنَّ أَبَاهُ كَانَ تَمَتَّعَ بِبُرْدَيْنِ أَحْمَرَيْنِ }.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1026 ]. ملحوظة هامة: تذكر الرواية هنا ( ِبُرْدَيْنِ أَحْمَرَيْنِ ) وليس بردًا واحدًا خلفًا كما ذكرت الروايات السابقة عن سبرة ( الحديث الأول والثانى والثالث ).

الحديث الحادى عشر:
{ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي رَبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: قَدْ كُنْتُ اسْتَمْتَعْتُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ – صَ ـ امْرَأَةً مِنْ بَنِي عَامِرٍ بِبُرْدَيْنِ أَحْمَرَيْنِ، ثُمَّ نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ـ صَ ـ عَنِ الْمُتْعَةِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَسَمِعْتُ رَبِيعَ بْنَ سَبْرَةَ يُحَدِّثُ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَنَا جَالِسٌ }.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1027 ].

الحديث الثانى عشر:
{ وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولُ اللهِ ـ صَ ـ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ وَقَالَ: "أَلاَ إِنَّهَا حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَانَ أَعْطَى شَيْئاً فَلاَ يَأْخُذْهُ" }.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1027 ].

خمسة أحاديث عن على بن أبى طالب تفيد نهى الرسول عن زواج المتعة يوم خيبر مع ذكر الناسبة فى ثلاثة منها وهى الرد على عبدالله بن عباس:
إسناد الخمسة أحاديث واحد( عن الحسن وعبدالله بن محمد بن على عن أبيهما عن على ).

الحديث الأول :
{ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنِ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَ ـ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ }.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1027 ].

الحديث الثانى :
{ وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدِ اللهِ بْنُ مُحَمَّدُ بْنِ أَسْمَاءَ الضَّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
وَقَالَ: سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِب يَقُولُ لِفُلاَنٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ تَائِهٌ، نهَانَا رَسُولُ اللهِ ـ صَ ـ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ }.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1027 ].

الحديث الثالث :
{ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَ ـ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ}.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1027 ].

الحديث الرابع:
{ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُلَيِّنُ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ. فَقَالَ: مَهْلاً، يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَ ـ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ }.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1027 ].

الحديث الخامس :
{ وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَىَ، قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِمَا أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ـ صَ ـ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ }.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1027 ].

7ـ حديث عن حوار عبدالله بن الزبير مع عبداللع بن عباس, خلال ولاية الأول وفى نهاية عمر الثانى, يدافع فيه عبدالله بن عباس عن زواج المتعة:

{ وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَبْدِ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَامَ بِمَكَّةَ فَقَالَ: إِنَّ نَاساً، أَعْمَى اللهُ قُلُوبَهُمْ، كَمَا أَعْمَى أبْصَارَهُمْ، يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ -يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ-. فَنَادَاهُ فَقَالَ: إِنَّكَ لَجِلْفٌ جَافٍ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتِ الْمُتْعَةُ تُفْعَلُ عَلَى عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ يُرِيدُ رَسُولِ اللهِ ـ صَ ـ فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَجَرِّبْ بِنَفْسِكَ، فَواللهِ لَئِنْ فَعَلْتَهَا لأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ}. [ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1026 ].

8 ـ حديث يفيد تجويز عبد الله بن عباس لزواج المتعة:

{ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ بْنِ سَيْفِ اللهِ أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَجُلٍ جَاءهُ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَاهُ فِي الْمُتْعَةِ، فَأَمَرَهُ بِهَا.
فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيُّ: مَهْلاً. قَالَ: مَا هِيَ؟ وَاللهِ لَقَدْ فُعِلَتْ فِي عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ}.[ صحيح مسلم ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب نكاح المتعة ـ ص 1026 ].

سَيْفِ اللهِ: هو خالد بن الوليد.
عِنْدَ رَجُلٍ: هذا الحديث ورد فى صحيح مسلم متصلاً بالحديث السابق, ولهذا المقصود بالرجل هو: عبد الله بن عباس.

9ـ حديث يفيد أنها كانت رخصة وتم النهى عنها:

{ قَالَ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ: إِنَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الإِسْلاَمِ لِمَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهَا، كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، ثُمَّ أَحْكَمَ الله الدِّينَ وَنَهَى عَنْهَا}.
هكذا بغير إسناد.
********************

المرجع الثالث: سنن أبى داود:

النسخة التى اعتمدنا عليها فى النقل هى ( سنن أبى داود ) ت دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ـ القاهرة ـ مجلدان ـ أربعة أجزاء, والجزء الخاص بالمتعة هو: باب فى نكاج المتعة ـ الجزء الثانى ـ ص 226, 227. ذكر أبو داود فى سننه حديثين عن سبرة فى باب عنوانه ( باب فى نكاح المتعة ), والحديثان يفيدان النهى, وإن كان الأول منهما يذكر النهى مقترنًا بحجة الوداع وهى المناسبة الرابعة للتحريم ( سبق ذكر ثلاث مناسبات للتحريم هى: غزوة خيبر, وفتح مكة, ويوم أوطاس ), مع ملاحظة أن أحاديث سبرة فى صحيح مسلم حددت المناسبة بفتح مكة:

الحديث الأول:
{ 2073 ـ حدثنا مُسَدّدٌ بنُ مُسْرَهْدٍ أخبرنا عَبْدُ الْوَارِثِ عن إِسْمَاعِيلَ بنِ أُمَيّةَ عن الزّهْرِيّ قال:
"كُنّا عِنْدَ عُمَرَ بنِ عَبْدِالْعَزِيزِ فَتذَاكَرْنَا مُتْعَةَ النّسَاءِ، فقال رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ رَبِيعُ بنُ سَبْرَةَ: أَشْهَدُ عَلَى أبي أَنّهُ حَدّثَ أَنّ رَسُولَ الله ـ ص ـ نَهَى عَنْها في حَجّةِ الْوَدَاعِ"}.

الحديث الثانى:
{ 2073 ـ حدثنا مُسَدّدٌ بنُ مُسْرَهْدٍ أخبرنا عَبْدُ الْوَارِثِ عن إِسْمَاعِيلَ بنِ أُمَيّةَ عن الزّهْرِيّ قال:
"كُنّا عِنْدَ عُمَرَ بنِ عَبْدِالْعَزِيزِ فَتذَاكَرْنَا مُتْعَةَ النّسَاءِ، فقال رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ رَبِيعُ بنُ سَبْرَةَ: أَشْهَدُ عَلَى أبي أَنّهُ حَدّثَ أَنّ رَسُولَ الله ـ ص ـ نَهَى عَنْها في حَجّةِ الْوَدَاعِ" }.

********************

المرجع الرابع: سنن ابن ماجة:

وردت ثلاثة أحاديث فى كتاب ( النكاح ). باب النهي عن نكاح المتعة أحدها حديث على بن أبى طالب عن تحريم المتعة يوم خيبر, والثانى حديث سبرة مع تحديد المناسبة بحجة الوداع ( إتفاقًا مع سنن أبى داود, واختلافًا عن مع صحيح مسلم ), والحديث الثالث لم يسبق ذكره فى المراجع الثلاثة السابقة.

النسخة التى اعتمدنا عليها فى النقل هى: سنن ابن ماجة ـ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقى ـ دار إحياء التراث العربى ـ بيروت ـ 1975 ـ جزآن .
الجزء الأول. [ ص 630 ـ 632 ] (9) كتاب النكاح.

الحديث الأول:
{ 1961- حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يحيى. حَدَّثَنَا بشر بن عمر. حَدَّثَنَا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عبد اللَّه والحسن، ابني مُحَمَّد بن علي، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب؛ أن رَسُول اللَّهِ ـ صَ ـ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية }.
[ ش ( متعة النساء ) هي النكاح لأجل معلوم أو مجهول كقدوم زيد. سمي بذلك لأن الغرض منها مجرد الاستمتاع دون التوالد وغيره من أغراض النكاح. ( الإنسية ) نسبة إلى الإنس، وهم بنو آدم. أو نسبة إلى الأنس خلاف الوحش. أو بفتحتين نسبة إلى الأنسية بمعنى الأنس أيضا. وهي التي تألف البيوت].‏

الحديث الثانى:
{ 1962- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِي شَيْبَ. حَدَّثَنَا عبدة بن سليمان، عن عبد العزيز بن عمر، عن الربيع بن سبرة، عن أبيه؛ قَالَ:
خرجنا مع رَسُول اللَّهِ ـ صَ ـ في حجة الوداع. فقالوا: يَا رَسُولَ اللَّه! إن العزبة قد اشتدت علينا. قَالَ ( فاستمتعوا من هذا النساء). فأتيناهن. فأبين أن ينكحننا إلا أن نجعل بيننا وبينهن أجلا. فذكروا ذلك النَّبِيّ ـ صَ ـ. فقال ( اجعلوا بينكم وبينهن أجلاً ). فخرجت أنا وابن عم لي. معه برد ومعي برد. وبرده أجود من بردي وأنا أشب منه. فأتينا على امرأة، فقالت برد كبرد. فتزوجتها فمكث عندها تلك الليلة. ثم غدوت و رَسُول اللَّهِ ـ صَ ـ قائم بين الركن والباب، وهو يقول ( يا أيها الناس! إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع. ألا وإن اللَّه قد حرمها إلى يوم القيامة. فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها. ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئئا ) }. [ ش (العزية) أي التجرد عن النساء. ( فأبين ) أي امتنعن ].‏ تختلف هذه الرواية عن رواية سبرة فى صحيح مسلم ( الحديث الأول ) التى تذكر أنه مكث معها ثلاثًأ.

الحديث الثالث:
{ 1963- حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن خلف العسقلاني. حَدَّثَنَا الفريابي عن أبان بن أبي حازم، عن أبي بكر بن حفص، عن ابن عمر؛ قَالَ : لما ولي عمر بن الخطاب، خطب الناس فقال: إن رَسُول اللَّهِ ـ صَ ـ أذن لنا في المتعة ثلاثا، ثم حرمها. و اللَّه! لا أعلم أحدا يتمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة. إلا أن يأتين بأربعة يشهدون أن رسول اللَّه أحلها بعد إذ حرمها}. فِي الزَوَائِد: في إِسْنَاده أبو بكر بن حفص. اسمه الإبائي. ذكره ابن حبان في الثقات. و قَالَ ابن أبي حلتم عن أبيه: كتب عنه وعن أبيه. وكان أبوه يكذب. قلت: لا بأس به. قَالَ ابن أبي حاتم: وثقه أحمد وابن معين والعجلي وابن نمير وغيرهم. وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في المستدرك.‏

********************

المرجع الخامس: سنن النسائى:

النسخة التى اعتمدنا عليها فى النقل هى: سنن النسائى بشرح الحافظ جلال الدين السيوطى وحاشية الإمام السندى ـ دار إحياء التراث العربى ـ بيروت ـ أربعة مجلدات وثمانية أجزاء ـ والجزء الخاص بالمتعة وارد فى الجزء السادس ـ كتاب النكاح ـ تحريم المتعة ص 125 ـ 127 ].
ورد فى سنن النسائى فى باب النكاح, وتحت عنوان ( تحريم المتعة ), أربعة أحاديث: ثلاثة منها تكرار لحديث على بن أبى طالب عن تحريم المتعة يوم خيبر, والحديث الرابع هو حديث سبرة دون تحديد زمن النهى, والجديد فى هذه الأحاديث هو ماورد فى الرواية الثالثة لحديث على بن أبى طالب من إشارة إلى ذكر البعض على لسان ( على ) أنه قال أن الرسول قد حرمها يوم حنين وليس يوم خيبر, وهذه هى المناسبة الخامسة للتحريم إضافة إلى ما سبق ذكره من تحريم فى: يوم خيبر, وفتح مكة, ويوم أوطاس, وحجة الوداع.

باب تحـريـم المتعـة:

1ـ الأحاديث الثلاثة الأولى عن على بن أبى طالب:
الحديث الأول:
{ 3356 ـ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيَ قَالَ: حَدّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدّثَنِي الزّهْريّ عَنِ الْحَسَنِ وَ عَبْدِ اللّهِ ابْنَيْ مُحَمّدٍ عَنْ أَبِيهِمَا:
أَنّ عَلِيّا بَلَغَهُ أَنّ رَجُلاً لاَ يَرَى بِالْمُتْعَةِ بَأْسا فَقَالَ: إنّكَ تَائِهٌ. "أَنّهُ نَهَى رَسُولُ اللّهِ ـ ص ـ عَنْهَا وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيّةِ يَوْمَ خَيْبَرٍ".
قال السندي: قوله: "أن رجلاً" هو ابن عباس رضي الله تعالى عنهما "إنك تائه" هو الحائر الذاهب عن الطريق المستقيم "عنها" عن المتعة "الأهلية" أي دون الوحشية وكأنه ما التفت إليه ابن عباس لما ثبت عنده من نسخ هذا النهي بالرخصة في المتعة بعد ذلك كأيام الفتح لكن قد ثبت النسخ بعد ذلك نسخا مؤبدا وهذا ظاهر لمن يتتبع الأحاديث والله تعالى أعلم.‏

الحديث الثانى:
{ 3357 ـ أَخْبَرَنَا مُحَمّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ وَاللّفْظُ لَه قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ وَ الْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمّدِ بْنِ عَلِيَ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: "أَنّ رَسُولَ اللّهِ ـ ص ـ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرٍ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الاِنْسِيّةِ". قال السندي: قوله: "الإنسية" بكسر فسكون نسبة إلى الإنس وهم بنو آدم أو بضم فسكون نسبة إلى الأنس خلاف الوحش أو بفتحتين نسبة إلى الأنسة بمعنى الأنس أيضا والمراد هي التي تألف البيوت.‏

الحديث الثالث:
{ 3358 ـ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيَ وَ مُحَمّدُ بْنُ بَشّارٍ وَ مُحَمّدُ بْنُ الْمُثَنّى قَالُوا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَنّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ أَنّ عَبْدَ اللّهِ وَ الْحَسَنَ ابْنَيْ مُحَمّدِ بْنِ عَلِيَ أَخْبَرَاهُ أَنّ أَبَاهُمَ مُحَمّدَ بْنَ عَلِيَ أَخْبَرَهُمَا أَنّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللّهِ ـ ص ـ يَوْمَ خَيْبَرٍ عَنْ مُتْعَةِ النّسَاءِ". قَالَ ابْنُ الْمُثَنّى: يَوْمَ حُنَيْنٍ وَقَالَ: هَكَذَا حَدّثَنَا عَبْدُ الْوَهَابِ مِنْ كِتَابِهِ}.‏

2ـ حديث سبرة:
الحديث الرابع:
{ 3359 ـ أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدّثَنَا اللّيْثُ عَنِ الرّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَذِنَ رَسُولُ اللّهِ ـ ص ـ بِالْمُتْعَةِ فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ إلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ فَعَرَضْنَا عَلَيْهَا أَنْفُسَنا فَقَالَتْ: مَا تُعْطِينِي؟ فَقُلْتُ: رِدَائِي. وَقَالَ صَاحِبِي: رِدَائِي. وَكَانَ رِدَاءُ صَاحِبِي أَجْوَدَ مِنْ رِدَائِي. وَكُنْتُ أَشَبّ مِنْهُ، فَإِذَا نَظَرْتْ إلَى رِدَاءِ صَاحِبِي أَعْجَبَهَا وَإذَا نَظَرَتْ إلَيّ أَعْجَبْتُهَا ثُمّ قَالَتْ: أَنْتَ وَرِدَاؤكَ يَكْفِينِي فَمَكَثْتُ مَعَهَا ثَلاَثا ثُمّ إنّ رَسُولُ اللّهِ ـ ص ـ قَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذِهِ النّسَاءِ اللاّتِي يَتَمَتّعُ فَلْيُخَلّ سَبِيلَهَا" }. قال السندي: قوله: "أنت ورداك" أي مع رداك أو ورداك مبتدأ خبره محذوف مثل كما ترى أو رديء والجملة حال أي أنت تكفيني والحال أن رداك كما ترى والتقدير ورداك يكفيني والجملة معترضة والله تعالى أعلم.‏

********************
المرجع السادس: سنن الترمذى:

النسخة التى اعتمدنا عليها فى النقل هى: عارضة الأحوذى بشرح صحيح التلامذى للإمام الحافظ ابن العربى المالكى ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ سبعة مجلدات / ثلاثة عشر جزءًا ـ والجزء الذى وردت به الأحاديث هو: ( أبواب النكاح ـ باب ما جاء فى تحريم المتعة ـ المجلد الثالث ـ الجزء الخامس ـ ص 48, 49 , 50 ].

ورد فى الترمذى حديثان فى بَابُ مَا جَاءَ في نكاحِ المُتعةِ :
أولهما: حديث على عن نهى النبى ـ ص ـ عن المتعة زمن خيبر,
وثانيهما: عن عبدالله بن عباس يذكر فيه أن المتعة منسوخة بآية إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم وهى غريبة فى اختلافها عن المتواتر عن ابن عباس فى كتب السنة بشأن المتعة.

الحديث الأول:
{ 1130 - حَدَّثنا ابنُ أبي عمرَ أخبَرَنَا سُفيَانُ عن الزُّهريِّ عن عبدِ اللهِ والحسنِ ابنى مُحَمَّدِ بنِ عليٍّ عن أبيهِما عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ.
"أنَّ النَّبيَّ ـ ص ـ نهى عن مُتعةِ النِّساءِ وعن لحومِ الحمرِ الأهليَّةِ زمنَ خيبر". وفي البَابِ عن سَبرةَ الجهنيِّ وأبي هُرَيرَةَ. حديثُ عليٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ والعملُ على هذا عِنْدَ أهلِ العِلْمِ من أصحابِ النَّبيِّ ـ ص ـ وغيرهِم وإنمَّا روى عن ابنِ عباسٍ شيءٌ من الرُّخصةِ في المتعةِ ثُمَّ رجعَ عن قولهِ حيثُ أخبرَ عن النَّبيِّ ـ ص ـ وأمرُ أكثرِ أهلِ العلمِ على تحريمِ المتعةِ وهو قولُ الثَّوريِّ وابنِ المباركِ والشَّافِعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ.‏

الحديث الثانى:
{ 1131 - حَدَّثنا مَحمودُ بنُ غيلانَ أخبَرَنَا سُفيَانُ بن عقبةَ أخو قبيصةَ بنِ عقبةَ أخبَرَنَا سُفيَانُ الثَّوريُّ عن موسى بنِ عبيدةَ عن مُحَمَّدِ بنِ كعبٍ عن ابنِ عباسٍ قال: إنمَّا كانتْ المتعةُ في أوَّلِ الإسلامِ كانَ الرَّجُلُ يقدمُ البلدةَ ليسَ لهُ بها معرفةٌ فيتزوَّج المرأةَ بقدرِ ما يرى أنَّهُ يقيمُ فتحفظُ لهُ متاعهُ وتصلحُ لهُ شيأهُ حتىَّ إذا نزلتْ الآيةُ { إلاَّ على أزواجِهِم أو ما مَلَكَتْ أيمانُهُم } قال ابنُ عباسٍ: فكلُّ فرجٍ سواهمُا فهو حرامٌ }.‏

وفى بَابُ مَا جَاءَ في لحومِ الحُمرِ الأهليَّةِ روى
الحديث الثالث:
{ 1854 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عبدُ الوهَّابِ الثقفيُّ عن يحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ عن مالكِ بنِ أنسٍ عن الزُّهريِّ حَدَّثَنَا ابنُ أبي عمر حَدَّثَنَا سُفيَانُ بنُ عُيَينَةَ عن الزُّهريِّ عن عبدِ اللهِ والحسنِ ابني مُحَمَّدِ بنِ عليٍّ عن أبيهِما عن عليٍّ قال:
( نهى رَسُولُ اللَّهِ ـ صَ ـ عن مُتعةِ النِّساءِ زمنَ خيبرَ وعن لحُومِ الحمرِ الأهليَّةِ)} .

********************

المرجع السابع: سنن الدارمى:

النسخة التى اعتمدنا عليها فى النقل هى: سنن الدارمى ـ دار الكتب العلمية بيروت ـ جزآن ـ الجزء الثانى ـ كتاب النكاح ـ باب النهى عن متعة النساء ـ ص 140 ].

ورد فى سنن الدارمى ثلاثة أحاديث تفيد النهى عن المتعة, وكلها سبق ذكرها, منها حديثان لسبرة وحديث لعلى عن النهى يوم خيبر, ويُلاحظ أن أحد حديثى سبرة يذكر النهى فى حجة الوداع, والثانى يذكر أنه فى عام الفتح, ومعنى هذا أن الأحاديث الثلاثة الواردة فى الدارمى تذكر ثلاث مناسبات للنهى عن المتعة.

الحديث الأول:
{ 2098 ـ ‏أَخْبَرَنَا ‏ ‏جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏أَبَاهُ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏
‏أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ـ ‏صَ ـ‏ ‏فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ ‏ ‏اسْتَمْتِعُوا ‏ ‏مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ ‏ ‏وَالاسْتِمْتَاعُ ‏ ‏عِنْدَنَا التَّزْوِيجُ* فَعَرَضْنَا ذَلِكَ عَلَى النِّسَاءِ فَأَبَيْنَ أَنْ لا نَضْرِبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُنَّ أَجَلا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ـ ‏ص ـ‏ ‏افْعَلُوا فَخَرَجْتُ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي مَعَهُ ‏ ‏بُرْدٌ ‏ ‏وَمَعِي ‏ ‏بُرْدٌ ‏ ‏وَبُرْدُهُ ‏ ‏أَجْوَدُ مِنْ ‏ ‏بُرْدِي ‏ ‏وَأَنَا أَشَبُّ مِنْهُ فَأَتَيْنَا عَلَى امْرَأَةٍ فَأَعْجَبَهَا شَبَابِي وَأَعْجَبَهَا ‏ ‏بُرْدُهُ ‏ ‏فَقَالَتْ ‏ ‏بُرْدٌ ‏ ‏كَبُرْدٍ ‏ ‏وَكَانَ الأَجَلُ بَيْنِي وَبَيْنَهَا عَشْرًا فَبِتُّ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ ثُمَّ ‏ ‏غَدَوْتُ ‏ ‏فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ـ‏ ‏ص ـ ‏قَائِمٌ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي ‏ ‏قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي ‏ ‏الاسْتِمْتَاعِ ‏ ‏مِنْ النِّسَاءِ أَلا وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا وَلا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا }

* الإضافة هنا تعنى أن المتعة كانت ( زواجًا ).

الحديث الثانى:
{ ‏2099 ـ أَخْبَرَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ـ ‏ص ـ ‏عَنْ نِكَاحِ ‏ ‏الْمُتْعَةِ ‏ ‏عَامَ الْفَتْحِ ‏ }

الحديث الثالث:
{ 2100 ـ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدٌ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏وَعَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِمَا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَمِعْتُ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ‏ ‏ص ـ‏ ‏نَهَى عَنْ ‏ ‏الْمُتْعَةِ ‏ ‏مُتْعَةِ ‏ ‏النِّسَاءِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ عَامَ ‏ ‏خَيْبَرَ }

********************

المرجع الثامن: موطأ الإمام مالك:

‏994 ـ حَدَّثَنِي ‏ ‏يَحْيَى ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِك ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏وَالْحَسَنِ ‏ ‏ابْنَيْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِمَا ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى عَنْ ‏ ‏مُتْعَةِ النِّسَاءِ ‏ ‏يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ


995 ـ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِك ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ شِهَابٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ ‏ ‏دَخَلَتْ عَلَى ‏ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَقَالَتْ إِنَّ ‏ ‏رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ ‏ ‏اسْتَمْتَعَ بِامْرَأَةٍ فَحَمَلَتْ مِنْهُ فَخَرَجَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هَذِهِ ‏ ‏الْمُتْعَةُ ‏ ‏وَلَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ فِيهَا لَرَجَمْتُ ‏
********************
المرجع التاسع: مسندابن حنبل:

النسخة التى اعتمدنا عليها فى النقل هى : مسند الإمام ابن حنبل ـ وبهامشه منتخب كنز العمال فى سنن الأقوا والأفعال ـ دار الفكر ـ ستة أجزاء.

1 ـ أحاديث على بن أبى طالب:
وهى أربعة أحاديث مكررة تؤكد النهى عن زواج المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر, واثنان منها يذكران المناسبة وهى الرد على عبدالله بن عباس, والأحاديث الأربعة تؤيد رأى السنة.

الحديث الأول:
{ 558 ـ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنِ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنِ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏وَعَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏ابْنَيْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِمَا ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏حَسَنٌ ‏ ‏أَرْضَاهُمَا فِي أَنْفُسِنَا ‏
‏أَنَّ ‏ ‏عَلِيًّا ‏ ‏قَالَ ‏لابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ـ ‏صَ ـ ‏ ‏نَهَى عَنْ نِكَاحِ ‏الْمُتْعَةِ ‏وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ زَمَنَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏} [ مسند ابن حنبل ـ أحاديث على بن ابى طالب ـ ص 97 ].

الحديث الثانى:
{ ‏717 ـ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏قَالَ قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ ‏
‏كَانَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَنْهَى عَنْ ‏ ‏الْمُتْعَةِ ‏ ‏وَعَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَأْمُرُ بِهَا فَقَالَ ‏ ‏عُثْمَانُ ‏ ‏لِعَلِيٍّ ‏ ‏إِنَّكَ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ قَالَ ‏ ‏عَلِيٌّ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّا قَدْ ‏ ‏تَمَتَّعْنَا ‏ ‏مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَجَلْ وَلَكِنَّا }[ مسند ابن حنبل ـ أحاديث على بن ابى طالب ].

الحديث الثالث:
{ 771 ـ حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْد اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنِ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَلِيٍّ ‏ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏نَهَى يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الْمُتْعَةِ ‏ ‏وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ }[ مسند ابن حنبل ـ أحاديث على بن ابى طالب ـ ص 103 ].

الحديث الرابع:
{ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏أَنْبَأَنَا ‏ ‏مَعْمَرٌ ‏ ‏عَنِ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنِ ‏ ‏الْحَسَنِ ‏ ‏وَعَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏ابْنَيْ ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِمَا ‏ ‏مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ‏ ‏أَنَّهُ ‏ ‏سَمِعَ أَبَاهُ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏وَبَلَغَهُ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي ‏ ‏مُتْعَةِ ‏ ‏النِّسَاءِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَدْ ‏ ‏نَهَى عَنْهَا يَوْمَ ‏ ‏خَيْبَرَ ‏ ‏وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ}.[ مسند ابن حنبل ـ أحاديث على بن ابى طالب ـ ص 142 ].

2 ـ أحاديث عبدالله بن مسعود:

وهما حديثان يؤكد فيهما يؤكد فيهما عبدالله بن مسعود ترخيص الرسول بالمتعة دون أن يذكر شيئًا عن تحريمها فى وقت لاحق ويوثق عبدالله حل المتعة بالنص القرآنى وهو ما يؤيد وجهة نظر الشيعة.

الحديث الأول:
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا محمد بن عبيد حدثنا إسماعيل عن قيس عن عبد الله قال: -كنا نغزو مع رسول الله ـ ص ـ وليس لنا نساء فقلنا: يا رسول الله ألا نستخصي فنهانا عنه ثم رخص لنا بعد في أن نتزوج المرأة بالثوب الى أجل ثم قرأ عبد الله: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين.‏ } [مسند ابن حنبل ـ أحاديث عبدالله بن مسعود ـ ص 420 ].

الحديث الثانى:
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا وكيع عن ابن أبي خالد عن قيس عن عبد الله قال: -كنا مع النبي ـ ص ـ ونحن شباب فقلنا: يا رسول الله ألا نستخصي فنهانا ثم رخص لنا في أن ننكح المرأة بالثوب الى الأجل ثم قرأ عبد الله: لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم.‏ } [مسند ابن حنبل ـ أحاديث عبدالله بن مسعود ـ ص 432 ].

3 ـ حديث عبدالله بن عمر:

وهو حديث واحد يؤكد حل المتعة ذاكرًا ممارستها فى عهد الرسول ومهاجمًا لمعارضيها تلميحًا, وهو حديث يساند قول الشيعة.

{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا أبو الوليد حدثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط حدثنا إياد عن عبد الرحمن بن نعم أو نعيم الاعرجي شك أبو الوليد قال: سال رجل ابن عمر عن المتعة وأنا عنده متعة النساء فقال والله ما كنا على عهد رسول الله ـ ص ـ زانين ولا مسافحين ثم قال والله لقد سمعت رسول الله ـ ص ـ يقول ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال وكذابون ثلاثون أو أكثر } [ مسند ابن حنبل ـ أحاديث عبدالله بن عمرـ الجزء الثانى ـ ص 95 ].

4 ـ أحاديث جابر بن عبدالله :

وهى خمسة أحاديث مكررة تؤكد جميعًا قول الشيعة, حيث تنص على ممارسة المتعة فى عهد الرسول وأبى بكر وعمر , حتى نهى عمر عنها, وهى ما ينفى تحريم الرسول لها, ويؤكد قول الشيعة فى ان عمر هو الذى حرمها.

الحديث الأول:
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا إسحق حدثنا عبد الملك عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: كنا نتمتع على عهد رسول الله ـ ص ـ وأبي بكر وعمر رضي الله عنهم حتى نهانا عمر رضي الله عنه أخيرا يعني النساء.‏ } [مسند ابن حنبل أحاديث جابر بن عبدالله ـ الجزء الثالث ـ ص 304 ].

الحديث الثانى:
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عبد الصمد حدثنا حماد عن عاصم عن أبي نضرة عن جابر قال: -متعتان كانتا على عهد النبي ـ ص ـ فنهاها عنهما عمر رضي الله تعالى عنه فانتهينا.‏ } [مسند ابن حنبل ـ أحاديث جابر بن عبدالله ـ الجزء الثالث ـ ص 325 ].

الحديث الثالث:
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يونس حدثنا حماد يعني ابن سلمة عن علي بن زيد وعاصم الأحول عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله قال:
-تمتعنا متعتين على عهد النبي ـ ص ـ الحج والنساء فنهانا عمر عنهما فانتهينا.‏ } [مسند ابن حنبل ـ أحاديث جابر بن عبدالله ـ الجزء الثالث ـ ص 356 ].

الحديث الرابع:
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عفان حدثنا حماد أنبأنا علي بن زيد وعاصم الأحول عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله قال:
-تمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم متعتين الحج والنساء وقد قال حماد أيضا متعة الحج ومتعة النساء فلما كان عمر نهانا عنهما فانتهينا‏ } [ مسند ابن حنبل ـ أحاديث جابر بن عبدالله ـ الجزء الثالث ـ ص 363 ].

الحديث الخامس :
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عبد الرزاق أنبأنا ابن جريج قال عطاء حين قدم جابر بن عبد الله معتمرا فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا له المتعة فقال: -نعم استمتعنا على عهد رسول الله ـ ص ـ وأبي بكر وعمر حتى إذا كان في آخر خلافة عمر رضي الله عنه‏ } [مسند ابن حنبل ـ أحاديث جابر بن عبدالله ـ الجزء الثالث ـ ص 380 ].

5 ـ أحاديث سبرة بن معبد :
وهى عشرة أحاديث تفيد نهى الرسول عن زواج المتعة بعد ترخيص بها,
وهىأحاديث تؤيد قول السنة, خاصة ما ورد فى بعضها بالتحرين إلى يوم القيامة,
وقد سبق أن ورد حديث سبرة عن أبيه فى أكثر من مرجع سابق أهمها ( صحيح مسلم ),
لكن الملاحظ هنا أن الأحاديث الواردة هنا فى مسند ابن حنبل تثير أكثر من إشكالية كما سيرد فى التعليق الوارد فى نهاية هذه الأحاديث.

الحديث الأول:
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا اسمعيل بن إبراهيم حدثنا معمر عن الزهري عن ربيع بن سبرة عن أبيه أن:
رسول الله ـ ص ـ نهى عن متعة النساء يوم الفتح } . [ مسند ابن حنبل ـ أحاديث سبرة بن معبد ـ الجزء الثالث ـ ص 404 ].

الحديث الثانى:
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عبد الصمد حدثنا أبي حدثنا اسمعيل بن أمية عن الزهري قال:
-تذاكرنا عند عمر بن عبد العزيز المتعة متعة النساء فقال ربيع بن سبرة سمعت أبي يقول سمعت رسول الله ـ ص ـ في حجة الوداع ينهى عن نكاح المتعة }. [ مسند ابن حنبل ـ أحاديث سبرة بن معبد ـ الجزء الثالث ـ ص 404 ].

الحديث الثالث:
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده قال:
-قال رسول الله ـ ص ـ سترة الرجل في الصلاة السهم وإذا صلى أحدكم فليستتر بسهم قال حدثني يعقوب حدثنا عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده أنه قال نهى رسول الله ـ ص ـ أن نصلي في أعطان الإبل ورخص أن نصلي في مراح الغنم ونهى رسول الله ـ ص ـ عن المتعة} . [ مسند ابن حنبل ـ أحاديث سبرة بن معبد ـ الجزء الثالث ـ ص 404 ].

الحديث الرابع:
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن الربيع بن سبرة عن أبيه أن:
النبي ـ ص ـ حرم متعة النساء} . [ مسند ابن حنبل ـ أحاديث سبرة بن معبد ـ الجزء الثالث ـ ص 404 ].

الحديث الخامس :
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر أخبرني عبد العزيز بن عمر عن الربيع بن سبرة عن أبيه قال:
-خرجنا مع رسول الله ـ ص ـ من المدينة في حجة الوداع حتى إذا كنا بعسفان قال رسول الله ـ ص ـ إن العمرة قد دخلت في الحج فقال له سراقة بن مالك أو مالك بن سراقة شك عبد العزيز أي رسول الله ـ ص ـ علمنا تعليم قوما كأنما ولدوا اليوم عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد قال لا بل للأبد فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أمرنا بمتعة النساء فرجعنا إليه فقلنا يا رسول الله أنهن قد أبين إلا إلى أجل مسمى قال فافعلوا قال فخرجت أنا وصاحب لي علي برد وعليه برد فدخلنا على امرأة فعرضنا عليها أنفسنا فجعلت تنظر إلى برد صاحبي فتراه أجود من بردي وتنظر إلي فتراني أشب منه فقالت برد مكان برد واختارتني فتزوجتها عشرا ببردي فبت معها تلك الليلة فلما أصبحت غدوت إلى المسجد فسمعت رسول الله ـ ص ـ وهو على المنبر يخطب يقول من كان منكم تزوج امرأة إلى أجل فليعطها ما سمى لها ولا يسترجع مما أعطاها شيئا وليفارقها فإن الله تعالى قد حرمها عليكم إلى يوم القيامة } [ مسند ابن حنبل ـ أحاديث سبرة بن معبد ـ الجزء الثالث ـ ص 404 , 405].

الحديث السادس :
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عفان حدثنا وهيب قال حدثنا عمارة بن غزية الأنصاري قال حدثنا الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال:
خرجنا مع رسول الله ـ ص ـ يوم الفتح فأقمنا خمس عشرة من بين ليلة ويوم قال قال فأذن لنا رسول الله ـ ص ـ في المتعة قال وخرجت أنا وابن عم لي في أسفل مكة أو قال في أعلى مكة فلقينا فتاة من بني عامر بن صعصعة كأنها البكرة العنطنطة قال وأنا قريب من الدمامة وعلي برد جديد غض وعلى ابن عمي برد خلق قال فقلنا له هل لك أن يستمتع منك أحدنا قالت وهل يصلح ذلك قال قلنا نعم قال فجعلت تنظر إلى ابن عمي فقلت لها إن بردي هذا جديد غض وبرد ابن عمي هذا خلق مح قالت برد ابن عمك هذا لا بأس به قال فاستمتع منها فلم نخرج من مكة حتى حرمها رسول الله ـ ص. } [ مسند ابن حنبل ـ أحاديث سبرة بن معبد ـ الجزء الثالث ـ ص 405].

الحديث السابع :
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت عبد رب بن سعيد يحدث عن عبيد بن محمد بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة عن أبيه يقال له السبرى عن النبي ـ ص ـ أنه أمرهم بالمتعة قال:
-فخطبت أنا ورجل امرأة قال فلقيت النبي ـ ص ـ بعد ثلاث فإذا هو يحرمها أشد التحريم ويقول فيها أشد القول وينهى عنها أشد النهي }. [ مسند ابن حنبل ـ أحاديث سبرة بن معبد ـ الجزء الثالث ـ ص 405].

الحديث الثامن :
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يونس حدثنا ليث يعني ابن سعد قال حدثني الربيع بن سبرة عن أبيه سبرة الجهني أنه قال:
أذن لنا رسول الله ـ ص ـ في المتعة قال فانطلقت أنا ورجل هو أكبر مني سنا من أصحاب النبي ـ ص ـ فلقينا فتاة من بني عامر كأنها بكرة عيطاء فعرضنا عليها أنفسنا فقالت ما تبذلان قال كل واحد منا ردائي قال وكان رداء صاحبي أجود من ردائي وكنت أشب منه قالت فجعلت تنظر إلى رداء صاحبي ثم قالت أنت ورداؤك تكفيني قال فأقمت معها ثلاثا قال ثم قال رسول الله ـ ص ـ من كان عنده من النساء التي تمتع بهن شيء فليخل سبيلها قال ففارقتها }. [ مسند ابن حنبل ـ أحاديث سبرة بن معبد ـ الجزء الثالث ـ ص 405].

الحديث التاسع :
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن الربيع بن سبرة عن أبيه قال:
-نهى رسول الله ـ ص ـ عن نكاح المتعة }. [ مسند ابن حنبل ـ أحاديث سبرة بن معبد ـ الجزء الثالث ـ ص 405].

الحديث العاشر :
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا وكيع حدثنا عبد العزيز قال أخبرني الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال:
-خرجنا مع رسول الله ـ ص ـ فلما قضينا عمرتنا قال لنا رسول الله ـ ص ـ استمتعوا من هذه النساء قال والاستمتاع عندنا يوم التزويج قال فعرضنا ذلك على النساء فأبين إلا أن يضرب بيننا وبينهن أجلا قال فذكرنا ذلك للنبي ـ ص ـ فقال افعلوا فانطلقت أنا وابن عم لي معه بردة ومعي بردة وبردته أجود من بردتي وأنا أشب منه فأتينا امرأة فعرضنا ذلك عليها فأعجبها شبابي وأعجبها برد ابن عمي فقالت برد كبرد فتزوجتها فكان الأجل بيني وبينها عشرا قال فبت عندها تلك الليلة ثم أصبحت غاديا إلى المسجد فإذا رسول الله ـ ص ـ بين الباب والحجر يخطب الناس يقول ألا أيها الناس قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من هذه النساء ألا وإن الله تبارك وتعالى قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا }. [ مسند ابن حنبل ـ أحاديث سبرة بن معبد ـ الجزء الثالث ـ ص 405, 406].

تعليق:
( أ ) الاختلاف فى الرواية:
الأحاديث جميعًا مصدرها واحد وهو سبرة بن معبد الجهنى,
وموضوعها واحد وهو المتعة,
وقصتها واحدة وهى الاستمتاع ( بفتاة كأنها بكرة عيطاء ) فى مكة,
ورغم ذلك فقد حفلت الروايات السابقة باختلافات ليست هينة نوردها فيما يلى:
1. الحديث ( الأول والسادس ) اللذان يرويان القصة يذكران أن تحريم الرسول للمتعة كان يوم الفتح, بينما فى الحديث ( الثانى ) والحديثين ( الخامس والعاشر ) اللذان يرويان نفس القصة, أن تحريم الرسول كان فى حجة الوداع.
2. الحديثان ( الخامس والعاشر ) يذكران أن سبرة قضى مع زوجته بالمتعة ليلة واحدة, بينما الحديثان ( السابع والثامن ) يرويان أنه قضى معها ثلاث ليال ...
3. الأحاديث ( الخامس والسابع والثامن والعاشر ) تذكر أن برد سبرة كان قديمًا خلق وبرد صديقه كان اجود, وأن سبرة هو الذى استمتع لشبابه, بينما انفرد الحديث ( السادس ) برواية عكسية تذكر أن البرد الجيد هو الخاص بسبرة, والبرد الخلق خاص بابن عمه, وأن الذى استمتع هو ابن عمه, بينما لم يستمتع سبرة لدمامته.

( ب ) لا أخفى على القارئ أن حوار سبرة وصديقه مع المرأة الشابى الفتية طويلة القوام والعنق يثير الدهشة والتعجب,
فالقصة تروى أن سبرة وصديقه سألا المرأة التى لا يعرفانها أن يستمتع أحدهما بها,
وأن المرأة لم تفزع أو تنزعج أو ترفض أو تتعجب,
وغاية ما فعلته أن سالت فى إحدى الروايات: " وهل يصح هذا؟", فلما أجابا: " نعم", استجابت المرأة, وفى رواية أخرى أنها بدأت فى الاختيار بينهما بمجرد أن عرضا عليها الأمر,
وفى رواية ثالثة أنها سألت عما سيعطونها فى المقابل, فلما عرضا برديهما بدأ الاختيار,
وفى رواية رابعة أنها اشترطت أن تكون المتعة لأجل,
وليعذرنى القارئ إن صارحته بأن وجدانى لم يقبل السؤال وأسلوبه ولا الجواب وأسلوبه, فالسائلان صحابيان, والتى سؤلت فتاة تعيش فى مكة بعد ظهور الإسلام بعشرين عامًا أو أكثر, ولست أظن, وبعض الظن إثم, أن مثل هذا الحوار يمكن أن يدور فى زماننا المعاصر دون معرفة وبدون أن يتنهى الأمر إلى أحد مراكز الشرطة,
ومعاذ الله أن يكون فيما أذكره نقد للصحابة أو للمجتمع المكى, وإنما لا يزيد الأمر عن تساؤل خطر لى وأنا أقرأ الرواية وأتأمل ما ورد فيها, وربما الخطأ ناتجًا عن سوء فى الفهم أو خطأ فى الاستيعاب وجل من لا يسهو, ولعل القارئ يشاركنى فيما أدعو إليه من ضرورة تقييم نصوص السنة على أساس المتن وليس على أساس السند وحده ...

6 ـ أحاديث سلمة بن الأكوع :
ثلاثة أحاديث,
اثنان منهما يذكران أن منادى رسول الله أذن بالمتعة دون أن يرد فى الحديثين ذكر للنهى,
بينما الحديث الثالث ترخيص الرسول بالمتعة عام أوطاس ثلاثة أيام, ثم نهيه عنها:

الحديث الأول:
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عبد الرزاق قال أنبأنا ابن جريج قال:
أخبرني عمرو بن دينار عن حسن بن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع رجل من أصحاب رسول الله ـ ص ـ أنهما قالا كنا في غزاة فجاءنا رسول رسول الله ـ ص ـ فقال إن رسول الله ـ ص ـ يقول استمتعوا }. [ مسند ابن حنبل ـ أحاديث سلمة بن الأكوع ـ الجزء الرابع ـ ص 47].

الحديث الثانى:
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة بن عمرو بن دينار قال:
سمعت الحسن بن محمد يحدث عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع قالا: خرج علينا منادي رسول الله ـ ص ـ فنادى أن رسول الله ـ ص ـ قد أذن لكم فاستمتعوا يعني متعة النساء ‏ }. [ مسند ابن حنبل ـ أحاديث سلمة بن الأكوع ـ الجزء الرابع ـ ص 51].

الحديث الثالث:
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يونس بن محمد قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال:
حدثنا أبو عميس عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: رخص رسول الله ـ ص ـ في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها }. [ مسند ابن حنبل ـ أحاديث سلمة بن الأكوع ـ الجزء الرابع ـ ص 55].

7 ـ حديث عمران بن حصين :

وهو من أهم أسانيد الشيعة,
لحديثه عن آية المتعة وأنها لن تنسخ,
وتأكيده أن الرسول لم ينه عن المتعة حتى مات,
ونص الحديث:
{ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى حدثنا عمران القصير حدثنا أبو رجاء عن عمران بن حصين قال:
-نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى وعملنا بها مع رسول الله ـ ص ـ فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي ـ ص ـ حتى مات }[ مسند ابن حنبل ـ أحاديث عمران بن حصين ـ الجزء الرابع ـ ص 436].

********************

المرجع العاشر: جامع البيان فى تفسير القرآن للإمام أبى جعفر محمد بن جرير الطبرى:

النسخة التى اعتمدنا عليها فى النقل هى طبعة دار المعرفة ـ بيروت ـ لبنان ـ المجلد الرابع ـ الجزء الخامس ـ ص 8, 9, 10.
القول في تأويل قوله تعالى: { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} [النساء: 4]‏
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {فما استمتعتم به منهن} فقال بعضهم: معناه: فما نكحتم منهن فجامعتموهن، يعني من النساء؛ { فأتوهن أجورهن فريضة} يعني: صدقاتهن فريضة معلومة. ذكر من قال ذلك:‏

7175 ـ حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} يقول: إذا تزوج الرجل منكم ثم نكحها مرة واحدة فقد وجب صداقها كله. والاستمتاع هو النكاح، وهو قوله: { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة}

7176 ـ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: { فما استمتعتم به منهن} قال: هو النكاح.‏

7177 - حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { فما استمتعتم به منهن} النكاح. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: { فما استمتعتم به منهن} قال: النكاح أراد.‏

7178 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة}... الآية، قال: هذا النكاح، وما في القرآن الإ نكاح إذا أخذتها واستمتعت بها، فأعطها أجرها الصداق، فإن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ فرض الله عليها العدة وفرض لها الميراث. قال: والاستمتاع هو النكاح ههنا إذا دخل بها.‏

وقال آخرون بل معنى ذلك فما تمتعتم به منهن بأجر تمتع اللذة لا بنكاح مطلق على وجه النكاح الذى يكون بولى وشهود ومهر , وذكر من قال ذلك:
7179 ـ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة }. فهذه المتعة الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمى، ويشهد شاهدين، وينكح بإذن وليها، وإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل وهي منه برية، وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث، ليس يرث واحد منهما صاحبه.‏

7180 ـ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { فما استمتعتم به منهن} قال: يعني نكاح المتعة.‏

7181 ـ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، قال: ثنا نصير بن أبي الأشعث، قال: ثني حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، قال: أعطاني ابن عباس مصحفا، فقال: هذا على قراءة أبي. قال أبو كريب، قال يحيى: فرأيت المصحف عند نصير فيه: { فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى}.‏

7182 ـ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن أبي نضرة، قال: سألت ابن عباس عن متعة النساء، قال: أما تقرأ سورة النساء؟ قال: قلت بلى. قال: فما تقرأ فيها: { فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى }؟ قلت: لا، لو قرأتها هكذا ما سألتك! قال: فإنها كذا.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثني داود، عن أبي نضرة، قال: سألت ابن عباس عن المتعة، فذكر نحوه.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي سلمة، عن أبي نضرة، قال: قرأت هذه الآية على ابن عباس: { فما استمتعتم به منهن} قال ابن عباس: { إلى أجل مسمى }، قال قلت: ما أقروها كذلك! قال: والله لأنزلها الله كذلك ثلاث مرات.‏

7183 ـ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمير: أن ابن عباس قرأ: { فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى }.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة وثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن ابن عباس، بنحوه.‏

7184 ـ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: في قراءة أبي بن كعب: { فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى}.‏

7185 ـ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سألته عن هذه الآية: { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } إلى هذا الموضع: { فما استمتعتم به منهن} أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال علي رضي الله عنه: لولا أن عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي.‏

7186 ـ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عيسى بن عمر القارئ الأسدي، عن عمرو بن مرة أنه سمع سعيد بن جبير يقرأ: { فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن }.
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوله: فما نكحتموه منهن فجامعتموه فآتوهن أجورهن؛ لقيام الحجة بتحريم الله متعة النساء على غير وجه النكاح الصحيح أو الملك الصحيح على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.‏

7187 ـ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال: ثني الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: { استمتعوا من هذه النساء } والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج.
وقد دللنا على أن المتعة على غير النكاح الصحيح حرام في غير هذا الموضع من كتبنا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وأما ما روي عن أبي بن كعب وابن عباس من قراءتهما: { فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى } فقراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين، وغير جائز لأحد أن يلحق في كتاب الله تعالى شيئا لم يأت به الخبر القاطع العذر عمن لا يجوز خلافه.‏

********************

المرجع الحادى عشر: بعض ما جاء فى كتاب ( فتح البارى) لابن حجر العسقلانى:

النسخة التى اعتمدنا عليها فى النقل هى طبعة دار إحياء التراث العربى ـ بيروت ـ من ص 138 ـ 142.

باب نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ آخِرًا.

الشرح: قوله ( باب نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة أخيرًا [ وردت فى صحيح البخارى " آخرًا" والمعنى واحد ]) يعني تزويج المرأة إلى أجل فإذا انقضى وقعت الفرقة.
وقوله في الترجمة " أخيرا " يفهم منه أنه كان مباحًا وأن النهي عنه وقع في آخر الأمر...

وقد اختلف في وقت تحريم نكاح المتعة فأغرب ما روي في ذلك رواية من قال في غزوة تبوك، ثم رواية الحسن أن ذلك كان في عمرة القضاء، والمشهور في تحريمها أن ذلك في غزوة الفتح كما أخرجه مسلم من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه وفي رواية عن الربيع أخرجها أبو داود أنه كان في حجة الوداع، قال ومن قال من الرواة كان في غزوة أوطاس فهو موافق لمن قال عام الفتح ا هـ.
فتحصل مما أشار إليه ستة مواطن: خيبر، ثم عمرة القضاء، ثم الفتح، ثم أوطاس، ثم تبوك، ثم حجة الوداع.
وبقي عليه حنين لأنها وقعت في رواية قد نبهت عليها قبل، فأما أن يكون ذهل عنها أو تركها عمدا لخطأ رواتها، أو لكون غزوة أوطاس وحنين واحدة.

فأما رواية تبوك فأخرجها إسحاق بن راهويه وابن حبان من طريقه من حديث أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل بثنية الوداع رأى مصابيح وسمع نساء يبكين، فقال: ما هذا؟ فقالوا: يا رسول الله، نساء كانوا تمتعوا منهن.
فقال: هدم المتعة النكاح والطلاق والميراث " وأخرجه الحازمي من حديث جابر قال " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك حتى إذا كنا عند العقبة مما يلي الشام جاءت نسوة قد كنا تمتعنا بهن يطفن برحالنا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، قال فغضب وقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ونهى عن المتعة، فتوادعنا يومئذ فسميت ثنية الوداع".
وأما رواية الحسن وهو البصري فأخرجها عبد الرزاق من طريقه وزاد " ما كانت قبلها ولا بعدها " وهذه الزيادة منكرة من راويها عمرو بن عبيد، وهو ساقط الحديث، وقد أخرجه سعيد بن منصور من طريق صحيحة عن الحسن بدون هذه الزيادة.
وأما غزوة الفتح فثبتت في صحيح مسلم كما قال: وأما أوطاس فثبتت في مسلم أيضا من حديث سلمة بن الأكوع.
وأما حجة الوداع فوقع عند أبي داود من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه.
وأما قوله لا مخالفة بين أوطاس والفتح ففيه نظر، لأن الفتح كان في رمضان ثم خرجوا إلى أوطاس في شوال، وفي سياق مسلم أنهم لم يخرجوا من مكة حتى حرمت، ولفظة " إنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتح، فأذن لنا في متعة النساء، فخرجت أنا ورجل من قومي - فذكر قصة المرأة، إلى أن قال - ثم استمتعت منها، فلم أخرج حتى حرمها " وفي لفظ له " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما بين الركن والباب وهو يقول " بمثل حديث ابن نمير وكان تقدم في حديث ابن نمير أنه قال: يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وأن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة " وفي رواية " أمرنا بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج حتى نهانا عنها " وفي رواية له " أمر أصحابه بالتمتع من النساء - فذكر القصة قال - فكن معنا ثلاثا، ثم أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفراقهن " وفي لفظ " فقال إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة " فأما أوطاس فلفظ مسلم " رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في المتعة ثلاثا، ثم نهى عنها " وظاهر الحديثين المغايرة، لكن يحتمل أن يكون أطلق على عام الفتح عام أوطاس لتقاربهما، ولو وقع في سياقه أنهم تمتعوا من النساء في غزوة أوطاس لما حسن هذا الجمع، نعم ويبعد أن يقع الإذن في غزوة أوطاس بعد أن يقع التصريح قبلها في غزوة الفتح بأنها حرمت إلى يوم القيامة، وإذا تقرر ذلك فلا يصح من الروايات شيء بغير علة إلا غزوة الفتح.
وأما غزوة خيبر وإن كانت طرق الحديث فيها صحيحة ففيها من كلام أهل العلم ما تقدم.
وأما عمرة القضاء فلا يصح الأثر فيها لكونه من مرسل الحسن ومراسيله ضعيفة لأنه كان يأخذ عن كل أحد، وعلى تقدير ثبوته فلعله أراد أيام خيبر لأنهما كانا في سنة واحدة في الفتح وأوطاس سواء.
وأما قصة تبوك فليس في حديث أبي هريرة التصريح بأنهم استمتعوا منهن في تلك الحالة، فيحتمل أن يكون ذلك وقع قديما ثم وقع التوديع منهن حينئذ والنهي، أو كان النهي وقع قديما فلم يبلغ بعضهم فاستمر على الرخصة، فلذلك قرن النهي بالغضب لتقدم النهي في ذلك، على أن في حديث أبي هريرة مقالا، فإنه من رواية مؤمل بن إسماعيل عن عكرمة بن عمار وفي كل منهما مقال.
وأما حديث جابر فلا يصح فإنه من طريق عباد بن كثير وهو متروك.
وأما حجة الوداع فهو اختلاف على الربيع بن سبرة، والرواية عنه بأنها في الفتح أصح وأشهر، فإن كان حفظه فليس في سياق أبي داود سوى مجرد النهي، فلعله صلى الله عليه وسلم أراد إعادة النهي ليشيع ويسمعه من لم يسمعه قبل ذلك.
فلم يبق من المواطن كما قلنا صحيحا صريحا سوى غزوة خيبر وغزوة الفتح، وفي غزوة خيبر من كلام أهل العلم ما تقدم، وزاد ابن القيم في " الهدي " أن الصحابة لم يكونوا يستمتعون باليهوديات، يعني فيقوى أن النهي لم يقع يوم خيبر أو لم يقع هناك نكاح متعة، لكن يمكن أن يجاب بأن يهود خيبر كانوا يصاهرون الأوس والخزرج قبل الإسلام فيجوز أن يكون هناك من نسائهم من وقع التمتع بهن فلا ينهض الاستدلال بما قال، قال الماوردي في " الحاوي ": في تعيين موضع تحريم المتعة وجهان أحدهما أن التحريم تكرر ليكون أظهر وأنشر حتى يعلمه من لم يكن علمه لأنه قد يحضر في بعض المواطن من لا يحضر في غيرها، والثاني أنها أبيحت مرارا، ولهذا قال في المرة الأخيرة " إلى يوم القيامة " إشارة إلى أن التحريم الماضي كان مؤذنا بأن الإباحة تعقبه، بخلاف هذا فإنه تحريم مؤبد لا تعقبه إباحة أصلا، وهذا الثاني هو المعتمد، ويرد الأول التصريح بالأذن فيها في الموطن المتأخر عن الموطن الذي وقع التصريح فيه بتحريمها كما في غزوة خيبر ثم الفتح.
وقال النووي: الصواب أن تحريمها وإباحتها وقعا مرتين فكانت مباحة قبل خيبر ثم حرمت فيها ثم أبيحت عام الفتح وهو عام أوطاس ثم حرمت تحريما مؤبدا، قال: ولا مانع من تكرير الإباحة.
ونقل غيره عن الشافعي أن المتعة نسخت مرتين، وقد تقدم في أوائل النكاح حديث ابن مسعود في سبب الإذن في نكاح المتعة وأنهم كانوا إذا غزوا اشتدت عليهم العزبة فأذن لهم في الاستمتاع فلعل النهي كان يتكرر في كل مواطن بعد الإذن، فلما وقع في المرة الأخيرة أنها حرمت إلى يوم القيامة لم يقع بعد ذلك إذن والله أعلم.
والحكمة في جمع علي بين النهي عن الحمر والمتعة أن ابن عباس كان يرخص في الأمرين معا، وسيأتي النقل عنه في الرخصة في الحمر الأهلية في أوائل كتاب الأطعمة، فرد عليه علي في الأمرين معا وأن ذلك يوم خيبر، فإما أن يكون على ظاهره وأن النهي عنهما وقع في زمن واحد.
وإما أن يكون الإذن الذي وقع عام الفتح لم يبلغ عليا لقصر مدة الإذن وهو ثلاثة أيام كما تقدم.
والحديث في قصة تبوك على نسخ الجواز في السفر لأنه نهى عنها في أوائل إنشاء السفر مع أنه كان سفرا بعيدا والمشقة فيه شديدة كما صرح به في الحديث في توبة كعب، وكان علة الإباحة وهي الحاجة الشديدة انتهت من بعد فتح خيبر وما بعدها والله أعلم.
والجواب عن قول السهيلي أنه لم يكن في خيبر نساء يستمتع بهن ظاهر مما بينته من الجواب عن قول ابن القيم لم تكن الصحابة يتمتعون باليهوديات،

وأيضا فيقال كما تقدم لم يقع في الحديث التصريح بأنهم استمتعوا في خيبر، وإنما فيه مجرد النهي، فيؤخذ منه أن التمتع من النساء كان حلالا وسبب تحليله ما تقدم في حديث ابن مسعود حيث قال " كنا نغزو وليس لنا شيء ـ ثم قال ـ فرخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب " فأشار إلى سبب ذلك وهو الحاجة مع قلة الشيء، وكذا في حديث سهل بن سعد الذي أخرجه ابن عبد البر بلفظ " إنما رخص النبي صلى الله عليه وسلم في المتعة لعزبة كانت بالناس شديدة، ثم نهى عنها " فلما فتحت خيبر وسع عليهم من المال ومن السبي فناسب النهي عن المتعة لارتفاع سبب الإباحة،
وكان ذلك من تمام شكر نعمة الله على التوسعة بعد الضيق، أو كانت الإباحة إنما تقع في المغازي التي يكون في المسافة إليها بعد ومشقة، وخيبر بخلاف ذلك لأنها بقرب المدينة فوقع النهي عن المتعة فيها إشارة إلى ذلك من غير تقدم إذن فيها، ثم لما عادوا إلى سفرة بعيدة المدة وهي غزاة الفتح وشقت عليهم العزوبة أذن لهم في المتعة لكن مقيدا بثلاثة أيام فقط دفعا للحاجة،
ثم نهاهم بعد انقضائها عنها كما سيأتي من رواية سلمة، وهكذا يجاب عن كل سفرة ثبت فيها النهي بعد الإذن،
وأما حجة الوداع فالذي يظهر أنه وقع فيها النهي مجردا إن ثبت الخبر في ذلك، لأن الصحابة حجوا فيها بنسائهم بعد أن وسع عليهم فلم يكونوا في شدة ولا طول عزبة، وإلا فمخرج حديث سبرة راوية هو من طريق ابنه الربيع عنه، وقد اختلف عليه في تعيينها؛ والحديث واحد في قصة واحدة فتعين الترجيح، والطريق التي أخرجها مسلم مصرحة بأنها في زمن الفتح أرجح فتعين المصير إليها والله أعلم.‏

قال ابن بطال: روى أهل مكة واليمن عن ابن عباس إباحة المتعة، وروي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة وإجازة المتعة عنه أصح، وهو مذهب الشيعة.

وجزم جماعة من الأئمة بتفرد ابن عباس بإباحتها فهي من المسألة المشهورة وهي ندرة المخالف، ولكن قال ابن عبد البر: أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن على إباحتها، ثم اتفق فقهاء الأمصار على تحريمها.
وقال ابن حزم: ثبت على إباحتها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن مسعود ومعاوية وأبو سعيد وابن عباس وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف وجابر وعمرو ابن حريث ورواه جابر عن جميع الصحابة مدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر، قال: ومن التابعين طاوس وسعيد بن جبير وعطاء وسائر فقهاء مكة.


********************

المرجع الثانى عشر:شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد:

النسخة التى اعتمدنا عليها فى النقل هى: طبعة دار الرشاد الحديثة ـ المجلد الرابع ـ ص 489, 490.
والقصة واردة بأكثر من رواية فى العقد الفريد لابن عبد ربه, ومراجع أخرى.

{ خطب الزبير بمكة على المنبر وابن عباس جالس مع الناس تحت المنبر, فقال: إن ههنا رجلاً قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره يزعم أن متعة النساء حلال من الله ورسوله,
ويفتى فى القملة والنملة, وقد احتمل بيت مال البصرة بالأمس وترك المسلمين بها يرتضخون النوى,
وكيف ألومه فى ذلك وقد قاتل أ المؤمنين وحوارى رسول الله ـ ص ـ وآله [ يقصد الزبير بن العوام ] , ومن وقاه بيده [ يقصد طلحة بن عبيد الله],
فقال ابن عباس لقئده سعد بن جبير بن هشام مولى بنى أسد بن خزيمة: " استقبل بى وجه ابن الزبير وارفع صدرى, وكان ابن عباس قد كف بصره, فاستقبل به قائده وجه ابن الزبير وأقام قامته, فحسر عن ذراعيه ثم قال يا ابن الزبير:

قد أنصف القارة من رماها *** إنا إذا ما فئـة نلقـاهـا.
نرد أولاها على أخراها *** حتى تصير حرضًا دعواها.

يا ابن الزبير أما العمى فإن الله تعالى يقول فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور,
وأما فتياى فى القملة والنملة فإن فيها حكمين لا تعلمهما أنت ولا أصحابك,
وأما حملى المال فإنه كان مالاً جبيناه فأعطينا كل ذى حق حقه وبقيت بقية هى دون حقنا فى كتاب الله فأخذناه بحقنا.
واما المتعة فسل أمك أسماء إذا نزلت عن بردى عوسجة,
وأما قتالنا أم المؤمنين فبنا سميت أم المؤمنين لا بك ولا بأبيك,
فانطلق أبوك وخالك إلى حجاب مده الله عليها فهتكاه عنها ثم اتخذاها فتنة يقاتلان دونها وصانا حلائلهما فى بيوتهما فما انصفا الله ولا محمدًا من انفسهما أن أبرزا زوجة نبيه وصانا حلائلهما,
أما قتالنا إياكم فإنا لقيناكم زحفًا, فإن كنا كفارًا فقد كفرتم بفراركم منا,
وإن كنا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيانا,
أى والله, لولا مكان صفية فيكم ومكان خديجة فينا لما تركت لبنى أسد بن عبد العزىّ عظمًا إلا كسرته,
فلما عاد ابن الزبير إلى أمه سألها عن بردى عوسجة,
فقال: ألم أنهك عن ابن عباس وعن بنى هاشم,
فقال: بلى, وعصيتك.
فقالت: يا بنى احذر هذا الأعمى الذى ما أطاقته الأنس والجن, واعلم أن عنده فضائح قريش ومخازيها بأسرها, فإياك وإياه آخر الدهر }.

زواج المتعة - الفصل الثالث من الباب الأول

الفصل الثالث
زواج المتعة والنص القرآنى

عودة للحوار السنى الشيعى
[1]

يقول السنة:
انتهى حوارنا السابق على وعد منكم بالدليل القرآنى على حلّ المتعة, ونصدقكم القول أننا على أحرّ من الجمر فى انتظار هذا الدليل ولو أتيتم به لسلمنا لكم بالحجة, واعترفنا معكم بالبرهان, فهاتوا دليلكم يرحمكم الله ...

فيرد الشيعة:

تعودنا معكم أن نستند إلى مرجعكم, وما نظن أن تفسير الطبرى, أو تفسير الرازى, أو تفسير السيوطى محل اتهام منكم, وقد ورد فيها وفى غيرها أن عبدالله بن مسعود ( وهو من هو ), وعبدالله بن عباس وهو حبر الأمة وترجمان القرآن, وأبىّ بن كعب وهو أشهر كتب الوحى, كانوا يرون أن آية : { فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } [ سورة النساء : 24 ]. نزلت فى المتعة,

وجميعهم كان يقرأها قراءة مختلفة نصها { فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً }, بإضافة { إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى },
ويقسمون أنها هكذا نزلت, وعلى هذا تابعهم ـ فى ذات المراجع ـ تابعون أجلاء مثل: مجاهد وقتادة وسعيد بن المسيب وغيرهم كثير,وبعض الفضلاء منكم ينكرون التواتر فى مثل هذه القراءات,وهى متعددة لكونها لم تثبت فى مصحف عثمان, وهو الذى بين أيدينا الآن, لكنهم يأخذون بها كقراءة تفسيرية للنص, لكونها ثابتة على لسان كبار الصحابة, ومن أمثلة ذلك قراءة السيدة عائشة لآية { حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} [ البقرة 238] حيث تذكر ( والصلاة الوسطى صلاة العصر ) وتقسم أنها هكذا نزلت,

فيكتفى العلماء بما ورد مصحف عثمان ( والصلاة الوسطى ) ويعتبرون القول بأنها صلاة العصر قراءة تفسيرية. والأمثلة كثيرة, ولكننا نقبل هذه الآية بهذا القول ونسلم معكم بأن إضافة أبىّ بن كعب وعبدالله بن عباس وعبدالله بن مسعود تفسير نص الاستماع بأنه { إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى }, أى أنه زواج متعة, ومرة أخرى نوجز قولنا حتى لا تكابروا فى الحق ...
*** آية { فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً } [ سورة النساء : 24 ]. نزلت فى المتعة بقول أبىّ بن كعب وعبدالله بن عباس وعبدالله بن مسعود وبعض كبار التابعين.
*** يقرؤها أبىّ بن كعب وعبدالله بن عباس وعبدالله بن مسعود بإضافة { إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى } بعد { فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ }, ويؤكدون أنها هكذا نزلت. والقبول بعبارة { إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى } نصًا أو تفسيرًا يقطع بنزول الآية فى المتعة,

فالخلاف بيننا أنكم ترون أن الزواج كله دائم, و نرى نحن أن زواج المتعة { إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى }. نقبل بما أجمعت عليه الأمة فى مصحف عثمان, ونأخذ بقراءة أبىّ بن كعب وعبدالله بن عباس وعبدالله بن مسعود وبعض كبار التابعين كقراءة تفسيرية للنص ...
*** نخلص من ذلك إلى أن الآية بالإضافة أو بدونها نزلت فى المتعة, وعليه يصبح زواج المتعة ثابتًا بالنص القرآنى , وقد اختلفنا فى نصوص السنة والسنة ظنية, فأتينا لكم بالنص القرآنى, والقرآن قطعى, فأين تذهبون؟ ..
[2]
فيرد السنة:
تسألون إلى أين نذهب؟ ... نقول لكم: سنذهب إلى صحيح العقيدة وسليم الدين وثابت النص, ونلقمكم أحجار المنطق واحدة واحدة ...
فيرد الشيعة:

إذن هاتوها يرحمكم الله ... فقط اسمحوا لنا أن نردها عليكم ونلقمكم ردها واحدة فواحدة ...
[3]

فيرد السنة:

هو ذلك إن استطعتم ... بيد أننا لا نكتمكم مشاعرنا حول حواركم هذا فقد قرأنا ما قرأتم, لكننا قرأناه كاملاً, بينما قرأتم أنتم سطرًا وأخفيتم سطرًا, فالطبرى والرازى والسيوطى, ونضيف إليهم الزمخشرى والثعلبى وابن حيان والنيسابورى والقرطبى وغيرهم, ذكروا ما ذكرتم, لكنهم ذكروه كرأى, ودحضوه بالرأى الآخر, ولم يسلّم واحد منهم بحجتكم, ولم يأخذ واحد منهم برأيكم, والمحاور العالم الفقيه الفاضل, يقرأ بقلب خاشع, وضمير مؤمن, أما الخارج عن الجماعة, الباحث عن سبيل للخروج على الإجماع فإنه يقرأ بعين اللاقط للشذوذة, الباحث عن المثالب, المقبل على الخلاف وكأنه هدف حياته, ومبرر دعواته , معذرة لهذا الانطباع الأول ... فلو كتمناه عنكم نكون قد قصرنا فى الرد الذى سوف يكون مفحمًا إن شاء الله, وبنصوص كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ... إن ما ورد فى التفاسير السابقة, ونحسب أنه إسرائيليات تسللت إلى ثنايا الدين القين, هو الذى أعطاكم الفرصة للمكابرة فى الحق, ووضع الذى يرد عليكم فى موقف الحائر فى البداية, فهو إن أهمل ما جئتم به ورماه بما هو أهل له, زدتم تمسكًا به, واتهمتم مجاوركم بالهروب من الساحة والعجز عن الرد, وهو إن سلّم به اتخذتم تسليمه تكأة للدفاع عن فكركم المريض, ولسوف نسلِّم معكم فى البداية برأى من ذكرتم فى تفسير الآية, وهو فى تقديرنا رأى لا أقل ولا أكثر, يرد عليه محكم التنزيل فيجعله كعصف مأكول ... إن الآية التى ذكرتم, بالإضافة التفسيرية أو بدونها منسوخة بالآيات [ 29, 30, 31 من سورة المعارج ] ونصها: { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ {29} إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ {30} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ {31} }... المتمتع بها هنا ليست زوجة لأنها لا عدة لها ولا طلاق ولا نفقة ولا غرث وهى ليست مملوكة ... إذن فهى لا تدخل ضمن { أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } ... إذن فهى تدخل ضمن قوله تعالى { فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ } ... وقد ورد نفس النص { إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } [ سورة المؤمنون 6 ]. وهو أيضًا نص ناسخ للنص الذى تعتمدون عليه ولنفس الأسباب ... هذه هى الحجة الأولى ... أيها العادون

فيرد الشيعة:

لن ندخل معكم فى تفاصيل حول المتزوجة بالمتعة وهل هى زوجة أم لا ؟ ... فالحوار بيننا سيطول, والرد على هذا كله سوف يأتى إن شاء الله فى موقعه من الحوار, لكننا نسألكم وأنتم فقهاء ... هل ينسخ النص المتقدم زمانًا, النص المتأخر زمانًا؟ ... هل إذا نزلت آية فى زمن معين, ثم نزلت بعدها بزمان طويل آية أخرى ... هل تنسخ الأولى الثانية؟ ... بديهى إن العكس هو الصحيح ... فالمتأخر زمانًا هو الذى ينسخ المتقدم زمانًا ... إذا سلمتم بهذا ونظن أنه لا مفر, فالرد عليكم يصبح من أيسر ما يكون ... الآية التى نستند إليها { فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ .... } من أواخر ما نزل من سورة النساء فى المدينة ... والآيات التى تستندون إليها فى سورتى ( المؤمنون ) و ( المعارج ) من الآيات المتقدمة زمانًا فى مكة ... والمكى المتقدم زمانًا لا ينسخ المدنى المتأخر زمانًا ... وعليه فالآيتان اللتان تستندون إليهما لا تنسخان الآية التى نستند إليها ... هذه واحدة ... أما الثانية فهى عسيرة عليكم, مردودة إليكم, لأننا إذا سلمنا معكم بالنسخ فى هذه الآيات, نصل إلى نتيجة عكسية لما أردتم تمامًا, وهى أن الآية التى نستند إليها هى التى تنسخ الآيتين اللتين تستندون إليهما ... ما رأيكم أيها المدعون بالنسخ ؟ ...

[4]

فيرد السنة:

كعادتكم معنا دائمًا ... تقرأون سطرًا وتنسون سطرًا وتقفزون كالقردة فوق ما ينقض حجتكم وينسف منطقكم ... كيف تقفزون هكذا خفافًا فرحين فوق ما ذكرناه من أم المتمتعة ليست بزوجة لأنه لا عدة لها ولا طلاق ولا نفقة ولا إرث .... إذن هاكم الحجة الثانية ... ألم يأتكم قول الله تعالى فى محكم كتابه { أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ .... } [ سورة الطلاق 1 ] ـ ألا تنسخ آية الطلاق هذه زواجكم المسخ حيث لا طلاق فيه ولا عدة ... وألم يأتكم قوله تعالى فى كتابه الكريم { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ...... } ألا تنسخ آية المواريث هذه زواجكم المشبوه, حيث لا ميراث ... لقد تشدقتم كثيرًا بحديث زواج المتعة, ولم يخجل واحد منكم وهو يتشدق بلفظ الزواج, متجاهلاً ومتناسيًا أن الزواج صنو للطلاق, وصنو للعدة, وصنو للميراث ... تقولون إنه زواج بغير طلاق ... قولوا إنه زواج بغير عدة ...
قولوا إنه زواج بغير ميراث ... قولوا إنه زواج يتحدى ( ونستغفر الله لكم ) آية الطلاق التى ذكرناها ... قولوا إنه زواج يتحدى ( ونستغفر الله لكم ) أية المواريث التى ذكرناها ... قولوها ولا تخشوا فى الفجور لومة لائم ... قولوها ونحن نردد على مسامعكم قولة الحق حتى لا تهربوا منها ... زواجكم ( بل الأدق فعالكم ), منسوخة بآيتى الطلاق والمواريث ...

فيرد الشيعة:

حسنًا ... فهمنا من حديثكم أن الزواج بذاته يقتضى الطلاق ... وأن الزواج بذاته يقتضى التوارث ... وأن الزواج بذاته يقتضى العدة ... أما أن الزواج بذاته يقتضى الطلاق, فالقصد منه كما نفهم أن زواج المتعة, الذى ينتهى بانتهاء الأجل دون طلاق, ليس زواجًا لافتقاده ركنًا من أركان الزواج وهو الطلاق أو إمكانيته ... من قال لكم هذا؟ ... ألم يقرأ واحد منكم فى كتب الفقه ( السنى ) أن هناك حالات من الزواج لا طلاق فيها, ألم نذكر فى لكم حوارنا حول السنة أمثلة لهذه الحالات, ألم يشفع لكم ذلك حتى تكرروا السؤال, وحتى تتبعوه بسؤال مماثل حول آية ( المواريث ), ونسيتم ما ذكرناه من حالات من الزواج ( الدائم ) لا توارث فيه ... هل تريدون أن نعيد على مسامعكم الأمثلة؟ [ ارجع إلى الفصل الأول ] ... التى تؤكد أن عدم وجود طلاق وعدم وجود ميراث لا يعنى عدم وجود زواج ... ومعنى هذا أيها العلماء أن الزواج وحده, ومن حيث هو, غير مستلزم للتوارث, وإنما لحقه هذا الحكم لدليل خاص ... ومعنى هذا أن هناك حالات من الزواج لا طلاق فيها, ولا ميراث, وتظل زواجًا ... ومنها المتعة ... ومعنى هذا أيضًا أنه لا تعارض, ولا تدافع, ولا نسخ بين الآية التى ذكرناها وآية المواريث التى ذكرتم ... أرأيتم كيف تركبون السهل من الأمر, والصعب من القذف, دون دليل شرعى يقف على قدمين ... أرأيتم كيف التكرار لم يعلمكم بعد أيها الشطار ...
وتبقى العدة ... ليس ذنبنا أن قراءة النظرية الماركسية أو كتابات المستشرقين أيسر كثيرًا من قراءة كتب الفقه الشيعى, التى هى أوثق ما تكون ارتباطًا بروح الإسلام وجوهره ونصوصه, ولو قرأتم فيها لعلمتم أن العدة إذا انقضى أجل المتعة حيضتان إن كانت ممن تحيض , وإن لم تحض فخمسة وأربعون يومًا, ولو وات عنها فهى أربعة شهور وعشرة أيام ... [ راجع : المختصر النافع فى فقه الإمامية ـ الشيخ أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلى ـ دار الأضواء ـ بيروت ـ لبنان ـ الطبعة الثالثة 1985 ]. هذا عن حجتكم الثانية, وقد ألحقناها بالأولى , فماذا لديكم بعد؟ ...

[5]

فيرد السنة:
لدينا الحجة القاصمة ... ذلك أن الحق لا يعوزه الدليل, ولا تنقصه الحجة, غير أن فيما ذكرتموه رأيًا لا يحق لنا أن نتجاوزه دون وقفة وتعليق ... ألم تلاحظوا أنكم تتعلقون بالشاذ من الحالات لإثبات ما هو فى رأيكم غير شاذ, وأنكم ما زلتم على عادتكم فى تلمس الشارد وغير الوارد من الأمور لإثبات منطقكم السقيم وغير المستقيم ... هى ملاحظة شكلية على أية حال, لكنها تدفع بنا إلى قول ما لابد من قوله, وذكر ما لابد من ذكره, فالتلاعب بالأعراض عبث, وأن يتم هذا التلاعب تحت مظلة الدين الحنيف القيم فهى جريمة بكل المقاييس, وإن سكتنا عنها شاركناكم فى الإثم ... نتوكل على الله فنقول:

أولاً: إن الرواية ( الشاذة ) تذكر زيادة { إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى }, وهى رواية على سبيل البيان والتفسير, وإن يذكرها أو يراها صحابى أو تابعى فليس ذلك بحجة على أحد, وهى لم تكن حجة على أحد أصلاً, لأن أحدًا منهم أو منا لا يجوز له أن يخرج على إجماع الأمة حول مصحف عثمان, ولو اختلفنا حوله لهدمنا صرح الإسلام المتين, لذا فالفيصل بيننا وبينكم هو النص الثابت القطعى, والقول بالزيادة على مسئولية صاحبه, إن صدق, أو صدق النقل عنه, والجدال حول الزيادة لا مبرر له ولا معنى, لأننا لا نعترف به أصلاً ... هذه واحدة

ثانيًا: حتى لو صدقنا رواية أنه كانت هناك أصلاً زيادة, فإن سقوط { إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى } من المصحف يهدم مذهب الشيعة فى متعة النساء, لأن ارتفاع شئ بعد ما ثبت يجتث كل آثاره, والأجل فى تقديرنا هو أجل العقد, وهو إلى أن يشاء الله, بينما الأجل فى القراءة الشاذة هو أجل الاستمتاع, فحتى لو انعقد عقد بهذا الفهم الشاذ فإنه هزل فى موطن الجد, يبقى جده, وينتهى هزله, وينعقد دائمًا

ثالثًا: من أقوال الشيعة نأخذ الحجة, ومن منطقهم نستلهم المنطق فى هذه القضية, فلو ثبت أن المتعة مورست فى عهد أبى بكر ثم صدر عهد عمر, وأن عمر هو الذى أبطلها وتابعه المسلمون, فالحجة هنا للسنة وليست للشيعة, فقد انعقد إجماع المسلمين جميعًا على بطلان المتعة, هنا نحن نستند إلى الإجماع , وهو ليس بالهين, ونستند أيضًا إلى حكمة الزواج التى تتسق مع هذا الإجماع, وهى حكمة تساندها الديمومة, ويدفع إليها التراحم وتكوين الأسرة وليس الشهوة العارضة والجنس العارم, ونحن نحسب فى هذا أننا نتسق مع جوهر الدين, وأننا امام إجماع صادف جوهر الدين ومحكم آباته وروح نصوصه

رابعًا: كأننا بالشيعة لم يقرأوا ما تلا الآية من آيات وأولها جازم قاصم لظهورهم, مبطل لدعواهم

لقد ذكر الله فى محكم آياته بعد التى استدل بها الشيعة حل زواج المتعة ما نصه: { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم } [ سورة النساء 25] ...

وفى هذه الآية نص قطعى يحرم نكاح المتعة ...

فلو كان { فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ } فى حل المتعة بكف من بر ( أى من الشعير ), فكيف يكون قوله بعد هذه الآية { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ.... }... وهل يتصور عاقل أن يكون الإنسان عاجزًا عن شراء كف بر ثم يشترى ويملك يمينه جارية؟ ... ومجرد نزول آية { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ } بعد { فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ } يكفى فى تحريم المتعة, لأنها نقلت من لم يستطع أن ينكح المحصنة إلى ملك اليمين, ولم يذكر ما هو أقدر عليه من ملك اليمين ... فلو كان التمتع بكف من بر جائزًا لذكره الله سبحانه وتعالى ... ومعنى عد ذكره أن الشيعة تفترض أن آيات القرآن قد نسيت ( ونستغفر الله ) أو تجاهلت ( ونستغفره ثانيًا ) ذكر ما كان ينبغى أن يتم به سياق الآيات

خامسًا: هى دعوة منا لإخواننا الشيعة أن نتفق على كلمة سواء, وأن نجتمع معًا على الحق الواضح الجلى فى سياق الآيات الواردة فى سورة النساء ... التى أوردت بوضوح, لا لبس فيه, أقسام النكاح المشروع فى الإسلام وهو : النكاح الدائم بالزواج الدائم, ونكاح الأَمَة المَمْلُوكَة دُوْنَ زَوَاج ... أما الزواج الدائم بالحرة أو الأمة فلا خلاف عليه ولا شبهة, أما نكاح الأمة فجوازه فى حالتين:

الأولى: هى ملك اليمين, و
الثانية: هى المحصنات من النساء ( أى النساء التى لها أزواج ) وتسبى فى الحرب, ووطء هاتيك النساء حلال بعد استبرائهن ( أى التأكد من خلوهن من الحمل ) وفقًا للنص القرآنى الوارد فى الآية السابقة على الآية التى يحاول الشيعة الاستدلال بها على المتعة, ونص الآية { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ }. ‏

يذكر الطبرى فى تفسيره [ جامع البيان عن تأويل آي القرآن: المجلد الرابع ـ الجزء الخامس ـ ص 3 ـ دار المعرفة ـ بيروت ] . عن أبي سعيد الخدري، قال: أصبنا نساء من سبي أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت:{ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } فاستحللنا فروجهن.
وهكذا ينحصر النكاح المشروع فى حالتين الأولى هى الزواج الدائم والثانية هى ملك اليمين ... وفى غيرهما لا نكاح ولا مشروعية ولا نص فى المصحف العثمانى المتفق عليه ولا إجماع

سادسًا: كأننا بالشيعة لم يقرأوا محكم آيات الله ولم يطرق سمعهم قوله سبحانه وتعالى: { وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } [ سورة النور: 33] ... ولو كان زواج المتعة شرعيًا ومباحًا بحفنة من بر ( كما تذكرون ) لما كان للآية موضع للذكر أو الفهم ... فكيف لا يجد البعض نكاحًا بحجة العوز وأمامه باب زواج المتعة مفتوح على مصراعيه ... يستحل المسلم به فرج المراة بأقل ما يقدر عليه أفقر الفقراء ... وأخيرأ: معذرة يا إخواننا فى الدين, فوالله ما أردنا لكم سوى الهداية, وما أردنا بكم سوى اجتماع الصف, وما قصدنا بحديثنا إلا بيان الحلال الذى هو بيِن, والحرام الذى هو أبْيَن, لولا غشاوة على العيون, واستكبار فى الحق, وتعالٍ عن صحيح الفهم وسليم العقل

فيرد الشيعة:

بل خالص الشكر على مشاعركم النبيلة ونرجو أن تصحبكم هذه المشاعر إلى نهاية الحوار ... ولو كنا نعلم أن إفحانا لكم فى حججكم, حجة بعد حجة, سوف يدفعكم إلى هذا الغضب, الذى ينتج عنه هذا المنطق المتهافت لأغضبناكم من البداية, وأفحمناكم منذ أول محاورة, وندخل فى الموضوع ونرد فنقول:

أولاً: لنبدأ بما انتهيتم إليه ... فهو بمعناه وفحواه قد تكرر قبل ذلك أكثر من مرة ... ومنطقكم فيه ينطلق من المقابلة ( غير المنطقية فى تصوركم ) بين الآيات التى تربط الزواج الدائم بالمقدرة المالية { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ } , { وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } , وبين إمكانية زواج المتعة بالمهر اليسير ( حفنة من بر ) ... وترتيبكم لمنطقكم على النحو التالى:
1ـ آيات الزواج المذكورة تربط بينه وبين القدرة المالية.
2ـ الشيعة يعتبرون نكاح المتعة زواجًا ويدعون أن مهره يمكن أن يكون أقل القليل وهو حفنة من بر.
3ـ ما ورد فى (1) يتناقض مع ما ورد فى (2) وهو ما يعنى أن نكاج المتعة ليس زواجًا بأى معنى يرد فى القرىن وأن آية { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } التى تلت آية المتعة تعنى أن الآية السابقة عليها تقصد الزواج الدائم الذى يتحقق فيه الطول ( أى الغنى ) ولا تقصد زواج المتعة الذى لا يحتاج إليه... وما أيسر الرد على هذا من منطلق الفقه السنى ذاته, ففقهاء الوم ( السنيون ) يضعون حدًا أدنى للمهر للزواج الشرعى ( الدائم ) يقدر بحوالى خمسة وعشرون قرشًا وهو فى تقديرنا ما يوازى ثمن حفنة من بر. هذه واحدة ... أما الثانية فهى ما تواتر فى كتب السنة عن تزويج الرسول لأحد فقراء المسملين بخاتم من حديد, وفى إحدى الروايات بآية من آيات القرآن... إذن فمعنى الطول هنا ليس مقصودًا به الحد الأدنى المقبول للمهر الشرعى ... إنما يقصد به ما تطلبه بعض الأسر من مهر لابنتها, أو بعض النساء من مهر لهن, يفوق طاقة راغب الزواج, وهو أمر كان قائمًا وما يزال, وهو قائم فى الزواج الدائم بقدر ما هو قائم فى زواج المتعة, وعليه فالمقابلة بين الطول ( الغنى ) وبين الحد الأدنى ليست مقابلة صحيحة, والمفارقة بين الطول ( الغنى ) وبين الحفنة من البر ليست واردة, لأنها لو كانت لأصابت منطق السنة قبل أن تصيب منطق الشيعة

ثانيًا: الحديث عن الآراء ( الشاذة ) ووصفها بهذا الوصف لا يليق أولاً بمقام كبارالصحابة, كما أن الشذوذ يحوى ضمن معانيه ندرة القائلين به, وأما وقد عددنا أسماء الكثيرين من كبار الصحابة ممن قطعوا بحل المتعة ورفضوا القول بتحريم الرسول لها والأمر الصادر من عمر بتحريمها, فقد انتفى بيننا شذوذ القلة العددية ... وبقى ما تتصورون أنه شذوذ الرأى والفهم غير المستقيم, والمرجع فى الحكم على الرأى ونعته بالشذوذ أو بالصواب يكون للنص, والبينة علة من إدعى كما يقولون, ومن منطقكم نرد عليكم, شريطة أن يستقيم منطقكم فى كل حال, ونحن أول من يقبل معكم بالاحتكام إلى مصحف عثمان, لكن ليس قبل أن نذكركم بموقفكم من قضايا أخرى ترون فيها رأيًا يخالف رأيكم الآن, وتحتجون فيها بحجج تناقض ما تسوقونه إلينا فى هذه القضية, وعودوا إلى كتب الفقه السنى فيما يخص عقوبة الزنا ... ألستم القائلين فيها بقول عمر بانه كانت هناك آية تخص رجم الزناة ... ونصها كما تذكر عشرات الكتب والمراجع هو { والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة } والقائل بهذا هو عمر بن الخطاب, وهى آية لم يذكرها مصحف عثمان, بيد أنكم لم تذكروا فى مواجهتها ما تتغنون به الآن على مسامعنا, من أن ( ارتفاع شئ بعد ما ثبت يجتث كل آثاره ) وكانت لديكم الشجاعة لادعاء أنها [ نُسِخَتْ نَصًا و بَقِيَتْ حُكْمًا ] ... أى أنكم تجاوزتم القول بالتفسير للنص القرآنى إلى القول بالتنزيل لحكم شرعى دون أن يشفع لكم مصحف عثمان ... بل ووجد بعضكم الشجاعة للتغنى بنسخ السنة للقرآن ... رغم ما نعلمه وتعلمونه من ظنية السنة وقطعية النص القرآنى ... لكنه الهوى وتهافت المنطق بل وتناقضه ... عبد الله بن عباس هو حبر الأمة وبحر العلم وترجمان ( القرآن ) فإذا اختلف معكم وتناقض قوله مع هواكم, أصبح شاذ الرأى, وخارجًا على إجماع المسلمين ... أبىّ بن كعب هو اشهر كُتّاب الوحى, وهو الذى تنحنى الهامات اما قوله فى محكم الآيات, لأنه الأقرب إليها, وأشهر من أخذها عمن أوحى إليه, فإذا نقل إليكم ما سمعه, ووثق لكم ما نقله عن خير الخلق اتهمتموه بالشذوذ فى الفكر, والمخالفة لرأى جماعة المسلمين ... عبد الله بن مسعود, أستاذ مدرسة الرأى التى أنجبت الإمام ( الأعظم ) أبا حنيفة, فاسد الرأى لديكم, شاذ الفتوى فى تقديركم ... هكذا الأمر معكم ... الحجة رائعة ومقبولة طالما أنها تتسق مع ما تعتقدون ... وماهى شاذة ومرفوضة إذا اختلفت معكم واصطدمت مع هواكم ... الصحابى هو بحر العلم إذا ذكر اسمه, وأعلن قوله, فإذا اختلف صوابه مع خطئكم, ومنطقه مع عجزكم, وصمتموه بالشذوذ ومخالفة الجماعة, وهى تهمة تعلمون ونعلن ثقلها وأثرها ونتائجها ... هذا عن الإضافة التفسيرية, التى تنتفضون أمامها كمن لدغه العقرب ... وكأن زواج المتعة أمر إدّ ... وكأنكم لم تعترفوا معنا بأن الرسول قد أمر به ... وأن كبار الصحابة قد مارسوه فى عهده, وباوامره و بأقواله التى خلدتها لنا مراجع الحديث النبوى ( السنية ) ... وهو الذى لا ينطق فى أمور العقيدة بالهوى ... وهو أيضًا الذى تواكب التنزيل القرآنى مع سنته القولية والفعلية ... إذن فالحديث عن الشذوذ نغمة نشاز غير مقبولة, فلا الفعل شاذ, ولا إتيانه باعترافكم فى عصر الرسول كان خروجًا على الإجماع, ولا تأكيد بعض الصحابة الكبار على حلّه قول يأخذ الشذوذ بأطرافه والخروج على الإجماع بتلابيبه, ولا ممارسة المتعة تدخل فى باب الزنا أو المسافحة كما تدعون ... ويكفينا للرد عليكم قول عبدالله بن عمر ( والله لقد مارسناها على عهد الرسول وما كنا زانين ولا مسافحين ) ... والأصح والأوثق والأكثر أدبًا وتهذيبًا مع سنة الرسول هو القول بالخلاف أو الاختلاف, بين كبار الصحابة هنا وكبار الصحابة هناك, والخلاف منحصر حول تفسير لآية من الآيات, وهى آية تؤكد رأينا, وتحسم الأمر لصالح منطقنا, سواء بقيت الإضافة التفسيرية أم لم تبق, فالنص الوارد فى مصحف عثمان, كما سنبين لكم, يوضح حجتنا ويناصر رأينا, بأوضح ما تكون المناصرة, وبأظهر ما يكون الوضوح, ولعلنا لا ننتقل من هذه النقطة, التى نتنازل فيها عن الأخذ ( بالإضافة التفسيرية ) برضا كامل منا, وبتنازل نملك أن نعارضكم فيه, بمنطقكم وبأسانيدكم, دون أن نوجه إليكم تساؤلاً ما نظن أنه سوف يمر مرور الكرام على عقولكم وأفئدتكم .. لقد نقلت كتبكم ( السنية ), بدءًا بمراجع الحديث ومرورًا بكتب التفاسير وقد ذكرناها جميعًا, وانتهاء بكتب الفقه ومنها فتح البارى لاين حجر العسقلانى ومنها المحلى لابن حزم وغيرها ... نقول أن هذه الكتب نقلت فى شأن المتعة آراء ابن عباس وأبىّ بن كعب وعبدالله بن مسعود فى تفسير الآية ... وهو رأى يتسق مع رأينا ويؤيده ... ثم اعترضتم عليه ليس على لسان أحد من كبار الصحابة ممن يطاول من ذكرناهم علمًا أو فقهًا أو تفسيرًأ لمحكم الآيات, بل على لسان كتاب التفسير أو الفقه, وحتى عندما نقل الطبرى فى تفسيره عن على بن أبى طالب, نقل عنه حديثًا يؤيد المتعة وينتقد تحريم عمر لها, ثم انتقل كما انتقل غيره إلى الرد بنفسه على رأى هؤلاء جميعًا, على وابن عباس وابن كعب وابن مسعود, وتناسوا يا أهل السنة خلاف الشيعة معكم واحتكموا لضمائركم, واسألوا يا أنفسكم, إلى من نحتكم فى تفسير القرآن الكريم ... إلى على بن أبى طالب أم إلى الطبرى ... إلى عبدالله بن عباس أم إلى الطبرى ... إلى أبىّ بن كعب أم إلى الطبرى ... لا تردوا علينا, نحن لا نطلب منكم ردًا, فلعل الخجل يمنعكم, بل ردوا على أنفسكم, وعلى من ذكرنا من الأسماء الجليلة فى سماء العقيدة ...
ثالثًا: تعالوا معنا إلى سياق الآيات, وتعلموا منا درسًا من دروس الفقه ... إن النكاح الشرعى الوارد فى القرآن الكريم, يشتمل على أربعة أنكحة وردت جميعًا فى سورة النساء وهى:
1) زواج الحرة الدائم ...
2) ملك اليمين ...
3) زواج المتعة ...
4) زواج الأمة الدائم ...

وإليكم الآيات البينات:
قال الله تعالى فى الآية الثالثة من سورة النساء: { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } فبين فى هذه الآية القسمين الأولين من النكاح وهم زواج الحرة الدائم { مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } , وملك اليمين { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } [ يُقصد بملك اليمين الجوارى المملوكات بالشراء أو السبى, ولا يشترط فى نكاحهن الزواج كما أنه نكاح لا يحدد بعدد ...]. ثم لا ذلك آيات كثيرة مثل آيات المواريث ومحرمات النكاح من النساء والرضاع والمصاهرة... ثم تلت ذلك الآية الرابعة والعشرون من سورة النساء: { وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم } أى بثمن أو صداق { مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } , فبين أنه يحل لهم أن يبتغوا باموالهم عدا ما ذكره سبحانه من المحرمات بشرط أن يكون نكاحًا شرعيًا لا سفاحًا... وهو ما يشمل أقسام النكاح السالفة الذكر... ولما كان الأول والثانى قد سبق ذكرهما فيما تقدم من الآيات, ولم يعد هناك حاجة إلى إعادة ذكرهما ... انتقلت الآيا إلى بيان زواج المتعة, وهو القسم الثالث بقوله تعالى: { فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } ... وسمى المهر هنا أجرًا كما سمى المهر فى الزواج الدائم صداقًا ... وبين حكم هذا المهر بانه يجوز الحط منه بالتراضى ... ثم ذكر بعد ذلك حكم النكاح الشرعى الرابع فى الآية الخامسة والعشرون من سورة النساء بقوله : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ } إلى قوله سبحانه وتعالى : { فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } إلى قوله سبحانه زتعالى { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } ... وبذلك تم الكلام على جميع أقسام النكاح بأحسن بيان وأسلسه وأوضحه ترتيبًا وقصدًا...
[ راجع " نقض الوشيعة": ص 277 / وراجع أيضًا" إسلامن فى التوفيق بين السنة والشيعة"للدكتور مصطفى الرافعى ـ مؤسسة الأعلمى للمطبوعات ـ بيروت ص 148 ].

هذا فقه النكاح الشرعى فى القرآن, وهذا نص محكم الآيات التى هى الفيصل كما ذكرنا فى القبول أو الرفض فى الحكم على شذوذ الرأى أو عدم شذوذه, وهذه هى حجتنا المقنعة, الجامعة المانعة, يساندها ظاهر الآيات وتفسيرها ... أما ظاهرها فقد عرضناه عليكم فى تسلسل البيان القرآنى, واما تفسيرها فسندنا فيه ترجمان القرآن عبد الله بن عباس, وأشهر كتاب الوحى أبىّ بن كعب, وإمام أئمة الرأى عبد الله بن مسعود ... فإن رددتم فنرجوكم أن تردوا عليهم وليس علينا... وأن تتهموهم ولا تتهمونا... وأن ترموهم إذا رميتم بما ترموننا به ...

رابعًا: هناك ما يحسُم الأمر بيننا وبينكم, إن كان لم يُحسم بعد ... زواج المتعة الآن ... هل هو فى رأيكم زواج أم زنا؟ ...

[6]

فيرد السنة:

لم نسمع جيدًا صيغة السؤال, هل قلتم ( الآن ), بمعنى هل تسألون عن زواج المتعة لة أتاه مسلم ومسلمة الآن, وهل هو زواج فى تقديرنا أم زنا ؟

فيرد الشيعة:

بالضبط هذا قصدنا ...
[7]
فيرد السنة:

وهل هذا فى حاجة إلى سؤال ؟... هو زنا بالطبع ..

فيرد الشيعة:

حسنًا ... لماذا إذن تجمع كتب الفقه السنى فى باب ( الزنا ), على عدم عقوبة من يأتى زواج المتعة بالعقاب الشرعى على الزنا بل ولا يُعاقب من يأتيه بآية عقوبة؟ ...
[8]

فيرد السنة:

ليس اعترافًا به أو تسليمًا بمشروعيته... إنما تطبيقًا للقاعدة الشرعية ( الحدود تدرأ بالشبهات )... أم تريدون إغلاق باب الرحمة فى الشريعة الإسلامية؟ ...

ü فيرد الشيعة:

إطلاقًا ... نحن لا نسعى لأكثر مما ذكرتموه الآن... فوجود شبهة فى زواج المتعة يعنى أن حلّه مشتبه عليكم , وحرمته مشتبهة عليكم, ولو كنتم واثقين من حرمته لعاقبتم عليه يعقوبة الزنا؟ ... أليس كذلك؟ ... أليس فى هذا حجة لنا وحجة عليكم؟ ... لماذا لا تعترفون الآن بأن منطقكم من البداية كان ضعيفًا, وأن هناك شبهة فى الأمر منذ بداية النقاش لديكم ... وأننا بحوارنا هذا قد اجلينا أمامكم الحقيقة ... وأسفرنا لكم عن الحق وازلنا ما يؤرقكم من شبهات ...
[9]

فيرد السنة:

ما أسوأ الطبيعة الإنسانية؟ ... هل انعدم لديكم الذوق الإنسانى الرفيع, والحس الإيمانى الصادق, والقلب المتدين الورع, حتى لا ترفضوا مثل هذا الزواج من البدء وحتى لا تشغلونا طوال هذا الوقت بهذا الحوار العقيم ... هل منكم من يرضى بهذا الزواج لابنته أو أخته حتى يرضاه لنساء المسلمين؟ ... ما هو موقف الواحد منكم ـ يرحمكم الله ـ إذا إستأذنته ابنته لتقضى ساعة فى أحضان صديقها, ينكحها فيها كما يشاء, فإذا استنكرتم أجابتكم الابنة فى هدوء لقد أعطانى عشرة جنيهات, فإذا غضبت مشاعركم, ونظنها تغضب, قالت لكم { فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } ...هل تستسلمون لهذا المنطق ... وهل ترضونه لدينكم ... إن كنتم ترضونه فنحن لا نرضاه ... هذا بغاء ... بغاء ... بغاء ...
الخلاصة
عزيزى القارئ ...
اعذرنى هنا لهذه المداخلة ... فها هو الحوار كما وعدتك يصل إلى نقطة البدء من جديد ... كما وعدتك ... وها هو يؤكد على مدى الصفحات السابقة ما ذكرته لك من البداية, وهو أن لكل رأى ردًا, ولكل رد رفضًا, ولكل رفض دحضًا, وأنك ما أن تستقر على رأى فترضاه, حتى يأتيك رد آخر ترضاه أكثر, فإذا اقتنعت به وارتكنت عليه, أتاك تفنيده بأسرع مما تتصور, وبأيسر مما تتخيل, ولعلك تصدقنى الآن فيما ذكرته لك من البداية من أن حوار المتعة رياضة ذهنية رائعة, فلعلك استمتعت بها, ولعلك سعيد بأنها انتهت هذه النهاية المفتوحة حيث لا رأى للكاتب ولا اجتهاد, وإنما هى مائدة فقهية دسمة, نهديها إلى فقهائنا الأجلاء حتى يوضحوا لنا ما استشكل علينا, ويحسمون الأمر لمن اشتبه عليه الأمر منا, وأنا واثق من قدرتهم على ذلك, فعلمهم فى النهاية هو الملاذ, وفقههم هى السند, واجتهادهم هو الأمل , وقدرتهم التى لا نشك فيها هى التى سوف تحسم الأمر بالقول الفصل, هدانا الله وإياهم وبهم إلى سواء السبيل ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نهاية الباب الأول

Tuesday

الحقيقة الغائبة

الَحقيقة الغائبة

مقدمة
قراءة جديدة في أوراق الراشدين
قراءة جديدة في أوراق الأمويين
قراءة جديدة في أوراق العباسيين
وماذا بعد؟!!

هذا حديث سوف ينكره الكثيرون، لأنهم يودون أن يسمعوا ما يحبون، فالنفس تأنس لما تهواه، وتتعشق ما استقرت عليه، ويصعب عليها أن تستوعب غيره، حتى لو تبينت أنه الحق، أو توسمت أنه الحقيقة، وأسوأ ما يحدث لقارئ هذا الحديث، أن يبدأه ونفسه مسبقة بالعداء، أو متوقعة للتجني، وأسوأ منه موقف الرفض مع سبق الإصرار للتفكير واستعمال العقل.
هذا حديث تاريخ لا يزعم صاحبه أنه متخصص فيه، أو فارس في ميدانه، لكنه يزعم أنه قارئ له في أناة، محلل له في صبر موثق له في دقة، ناقد له في منطق، يهوى أنه يقلبه ذات اليمين وذات الشمال، لا يستطيع أن يمد خياله متجاوزاً الحقيقة بالإضافة أو منتقصاً منها بالإهمال، وما أكثر ما فعل ذلك من لهم تاريخ واسم، وقلم وفكر، ومنهج وبحث، لا يجدون راحتهم إلا حيث يستريح القارئ، ولا يراعون وهم يفعلون ذلك حرمة لتاريخ أو لعقل أو حتى لنقل.
هذا حديث ما كان أغناني عنه، لولا أنهم يتنادون بالخلافة، ليس من منطلق الدعابة أو المهاترة أو الهزل، بل من منطلق الجد والجدية والاعتقاد، فسيتدرجون مثلى إلى الخوض فيما يعرف ويعرفون، ويعلم وينكرون، وينكر ويقبلون، ليس من أجلهم، ولا حتى من أجل أجيال الحاضر التي من واجبها أن تعرف وتتعرف، وتعلم وتتعلم، وتفكر وتتكلم، بل قبل ذلك كله من أجل أجيال سوف تأتي في الغد، وسوف تعرف لنا قدرنا وإن أنكرنا المنكرون وسوف تنصفنا وإن أداننا المدينون، وسوف تذكر لنا أننا لم نجبن ولم نقصر، وأننا بقدر ما أفزعنا بقدر ما دفعنا المجتمع للأمام، وبقدر ما أقلقنا بقدر ما أستقر المجتمع في أيامهم، وبقدر ما واجهنا بقدر ما توجهوا هم إلى المستقبل. هذا حديث تاريخ وسياسة وفكر وليس حديث دين وإيمان وعقيدة، وحديث مسلمين لا حديث إسلام، وهو قبل ذلك حديث قارئ يعيش القرن العشرين وينتمي إليه عن أحداث بعضها يعود إلى الوراء ثلاثة عشر قرناً أو يزيد، ومن هنا يبدو الحديث صعباً على من يعيشون وينتمون لواقع ما قبل ثلاثة عشر قرناً، ويقيمون من خلال معايشتهم وتبنيهم لذلك الواقع أحداث حاضر القرن العشرين، وهو في النهاية حديث قد يخطئ عن غير قصد، وقد يصيب عن عمد، و قد يؤرق عن تعمد، وقد يفتح باباً أغلقناه كثيراً وهو حقائق التاريخ، وقد يحيى عضواً أهملناه كثيراً وهو العقل، وقد يستعمل أداة تجاهلناها كثيراً وهي المنطق، وهو حديث في النهاية موجز أشد ما يكون الإيجاز، لا يهتم بالحدث. في ذاته بقدر ما يعتني بدلالاته ويرى أنه بوفاة الرسول استكمل عهد الإسلام وبدأ عهد المسلمين، وهو عهد قد يقترب من الإسلام كثيراً وقد يلتصق به، وقد يبتعد عنه كثيراً وقد ينفر منه، وهو في كل الأحوال والعهود ليس له من القداسة ما يمنع مفكراً من الاقتراب منه، أو محللاً من تناول وقائعه، وهو أيضاً وبالتأكيد ليس حجة على الإسلام، وإنما حجة للمطالبين بالحكم بالإسلام أو حجة عليهم، وسلاح في أيديهم أو في مواجهتهم، وليس أبلغ من التاريخ حجة، ومن الوقائع سنداً، ومن الأحداث دليلاً، وليس لهم من البداية أن ينكروا علينا ما رجعنا إليه من مصادر وما استندنا إليه من مراجع، فهي ذات المراجع التي يحتجون بها على ما يرون أنه في صالحهم، ومع دعواهم، ولو أهملنا معاً هذه المراجع، لما بقي من تاريخ الإسلام شئ، ولما بقيت في أيديهم حجة، ولما استقر في كتاباتهم دليل، ولما وجدوا لمنطقهم سنداً أو أصلاً أو توثيقاً.

هذا حديث قصدت فيه أن أكون واضحاً كل الوضوح، صريحاً كل الصراحة، زاعماً أن الوضوح والصراحة في الموضوع الذي أناقشه استثناء، فقد صبت في المجرى روافد كثيرة، منها رافد الخوف، ومنها رافد المزايدة، ومنها رافد التحسب لكل احتمال، وخلف ذلك كله يلوح سد كبير، يتمثل في الحكمة التي يطلقها المصريون، والتي تدعو إلى (سد) كل باب يأتيك منه الريح، فما بالك إذا أتاك إعصار التكفير، وارتطمت بأذنك اتهامات، أهونها أنك مشكك، وأسئلة أيسرها – هل يصدر هذا من مسلم؟ - وواجهتك قلوب عليها أقفالها، وعقول استراحت لاجتهاد السلف، ووجدت أن الرمي بالحجارة أهون من إعمال العقل بالبحث، وأن القذف بالاتهام أيسر من إجهاد الذهن بالاجتهاد..
هذا حديث دنيا وإن بدا لك في ظاهرة حديث دين، وأمر سياسة وحكم و إن صوروه لك على أنه أمر عقيدة وإيمان، وحديث شعارات تنطلي على البسطاء، ويصدقها الأنقياء، ويعتنقها الأتقياء، ويتبعون في سبيلها من يدعون الورع (وهم الأذكياء)، ومن يعلنون بلا مواربة أنهم أمراء، ويستهدفون الحكم لا الآخرة، والسلطة لا الجنة، والدنيا لا الدين، ويتعسفون في تفسير كلام الله عن غرض في النفوس ويتأولون الأحاديث على هواهم لمرض في القلوب، ويهيمون في كل واد، إن كان تكفيراً فأهلاً، وإن كان تدميراً فسهلا، ولا يثنيهم عن سعيهم لمناصب السلطة ومقعد السلطان، أن يخوضوا في دماء إخوانهم في الدين، أو أن يكون معبرهم فوق أشلاء صادقي الإيمان.
لعلك أدركت أيها القارئ أنني أخوض معك في موضوع قريب إلى ذهنك بقدر ما ألح عليه، وما أكثر ما ألح، بل ما أصرح ما ألح، حين ارتفعت ولا تزال ترتفع، في الانتخابات السياسية والنقابية في مصر رايات مضمونها (يا دولة الإسلام عودي، الإسلام هو الحل، إسلامية إسلامية).
وهي رايات لا تدري أهي دين أم سياسة، لكنك تجد مخرجاً في تصور مصدريها أن الدين والسياسة وجهان لعملة واحدة، وأن تلك الأقوال تعبير عاطفي عن شعارات الإخوان المسلمين القديمة، بأن الإسلام دين ودولة، مصحف وسيف... الخ.
وقبل أن تسألني (وهل تنكر ذلك) يجدر بي أن أضعك أمام وجهتي نظر، كل منهما تقبل الاجتهاد، بل وقبل ذلك كله، تقتضي الإجهاد، وأقصد بذلك إجهاد الفكر بحثاً عن حقيقة غائبة.
أما وجهة النظر الأولى، ولا أشك أنها وراء ما ذكرت من دعاوى، فأنها تتمثل في إن المجتمع المصري مجتمع جاهلي أو بعيد عن صحيح الدين.
وبين مقولة تجهيل المجتمع، ومقولة الابتعاد عن صحيح الدين، تتدرج مواقف القائلين بين التطرف لأصحاب المقولة الأولى، والاعتدال للقائلين بالثانية، لكنهم جميعا متفقون على أن نقطة البدء بالحل تكمن في التطبيق الفوري للشريعة الإسلامية، وأصحاب وجهة النظر هذه يطرحون خلف ظهورهم خلافهم حول رأيهم في المجتمع الحالي، ويستقرون بدعوة تطبيق الشريعة، مؤكدين أن هذا التطبيق (الفوري) سوف يتبعه صلاح (فوري) للمجتمع، وحل (فوري) لمشاكله.
هذا عن وجهة النظر الأولى، أما وجهة النظر الثانية، فلعلي ألمح على وجهك قبل أن أعرضها تساؤلاً مضمونه (وهل هناك وجهة نظر ثانية)، ولعلي أتلمس خلف هذا التساؤل تصوراً بأن وجهة النظر الثانية لابد وأن تتناقض مع ما توصلت إليه وجهة النظر الأولى، وأنها تصبح والأمر كذلك مصطدمة أو متصادمة مع دعوة لتطبيق أصل من أصول العقيدة.
لكني أبادر فأطمئنك بأن وجهة النظر الثانية، لا تناقض الإسلام بل تتصالح معه، ولا تأتي من خارجه بل تخرج من عباءته، ولا تصدر عن مارق بل تصدر عن عاشق لكل قيم الإسلام النبيلة والعظيمة..
إن وجهة النظر الثانية تستند إلى مجموعة من الفروض يمكن عرضها فيما يلي:
أولا: إن المجتمع المصري ليس مجتمعاً جاهلياً، بل هو أحد أقرب المجتمعات إلى صحيح الإسلام إن لم يكن أقربها، حقيقة لا مظهراً، وعقيدة لا تمسكاً بالشكليات، بل أن التمسك الأصيل والشديد بالقيم الدينية يمكن أن يمثل ملمحاً مصرياً.
يصدق هذا على موقف المصريين من العقائد الدينية الفرعونية قبل ظهور الأديان السماوية، بقدر ما يصدق على موقف المصريين من الدين المسيحي قبل دخول الإسلام مصر، بقدر ما يصدق أيضاً بدرجة أوضح من كل ما سبق على موقف المصريين من الإسلام، والشواهد على ذلك كثيرة، بدءاً من تردد المصريين على المساجد وحماسهم، وتنافسهم على مركز الصدارة في عدد الحجاج من بلاد العالم الإسلامي كله، واحتفائهم بالأعياد الدينية، بل وتحول شهر رمضان إلى عيد ديني قومي لا يمكن تبرير الشغف به، والاحتفاء بحلوله، والحسرة على انتهائه إلا بأصالة وعمق الشعور الديني، وانتهاء بما ساهمت مصر في مجال العقيدة والاجتهاد، بدءاً بالليث بن سعد، وفقه الشافعي في مصر، وانتهاء بالأزهر الشريف ودوره كمنارة للفكر الإسلامي.
ثانياً: إن تطبيق الشريعة الإسلامية ليس هدفاً في حد ذاته، بل إنه وسيلة لغاية لا ينكرها أحد من دعاة التطبيق وأقصد بها إقامة الدولة الإسلامية، وهنا مربط الفرس ومحور النقاش، ودعاة تطبيق الشريعة الإسلامية كما سبق وذكرنا يرفعون شعار أن الإسلام دين ودولة، والشريعة الإسلامية في مفهومهم تمثل حلقة الربط بين مفهوم الإسلام الدين ومفهوم الإسلام الدولة، ليس ربطاً بين مفهومين مختلفين، بل تأكيداً على أنهما وجهان لعملة واحدة – في رأيهم – وهي صحيح الإسلام.
هنا ينتقل النقاش إلى ساحة جديدة، هي ساحته الحقيقة، وهي ساحة السياسة، وهنا يطفو على سطح النقاش سؤال بسيط وبديهي، ومضمونه أنهم ما داموا قد رفعوا شعار الدولة الإسلامية وانتشر أنصارهم بين الأحزاب السياسية يدعون لدولة دينية يحكمها الإسلام، فلماذا لا يقدمون إلينا – نحن الرعية – برنامجاً سياسياً للحكم، يتعرضون فيه لقضايا نظام الحكم وأسلوبه، سياسته واقتصاده، مشاكله بدءاً من التعليم وانتهاء بالإسكان، وحلول هذه المشاكل من منظور إسلامي.
أليست هذه نقطة ضعف جوهرية يواجههم بها من يختلفون معهم سواء بحسن نية، وهو ما نظن، أو بسوء نية، وهو ما يعتقدون وما يتعين عليهم سد ذرائعه حتى لا يتركوا لأحد مجالاً لنقد أو رفض.
هنا يبدو الأمر منطقياً لا تناقض فيه، وهنا يصبح رفعهم شعار الدين والدولة معاً أمراً مقبولاً، وهنا يصبح رفضهم لفصل الدين عن السياسة وأمور الحكم رفضاً له من الوجاهة حظ كبير، وله من المنطق سند قوي، بل وأكثر من ذلك تصبح قضية تطبيق الشريعة الإسلامية جزءاً من كل، وهي جزء لا يتناقض مع الكل بحال بل يتناسق معه، ففي مجتمع الكفاية والعدل، حيث يجد الخائف مأمناً، والجائع طعاماً، والمشرد سكناً، والإنسان كرامة، والمفكر حرية، والذمي حقاً كاملاً للمواطنة، يصعب الاعتراض على تطبيق الحدود بحجة القسوة، أو المطالبة بتأجيل تطبيقها بحجة المواءمة، أو عن قبول بارتكاب المعصية اتقاء لفتنة، أو تشبها بعمر في تعطيله لحد السرقة في عام المجاعة، أو لجوءاً للتعزير في مجتمع يعز فيه الشهود العدول.
لعلك متفق معي – أيها القارئ – فيما توصلت إليه من أن مسألة كهذه، يحب ألا تفوت على المشتغلين بالعمل السياسي الديني، بل لعلك تتجاوز التعجب إلى الاعتقاد بأن هذا أمر يسير وأنه إلى تدارك، بل ربما اعتقدت عن تفاؤل بأنه أمر سهو، وأن السهو إلى زوال، لكني لا أشاركك تفاؤلك، لسبب يعلمه دعاة تطبيق الشريعة ويعانون منه، وأقصد به عقم الاجتهاد، بل إن شئت الدقة اجتهاد العقم، وخوف الاختلاف، بل إن شئت الدقة خلف الخوف، وطمع الاستسهال، بل إن شئت الدقة استسهال الطمع، وعجز القدرة، بل إن شئت الدقة قدرة العجز.
ليس فيما أقوله بلاغة باللفظ، بل هي حقيقة تستطيع أن تلمس عشرات الأمثلة على صدقها، ودونك أيها القارئ العزيز ما حدث في قوانين الأحوال الشخصية، والتي شهدنا ثلاثة منها في عشر سنوات، أثار الأول منها ثائرة المدافعين عن حقوق المرأة فكان القانون الثاني الذي أثار حفيظة المدافعين عن حقوق الرجل، فكان الثالث الذي هدأت به ثائرة الثائرين إلى حين، على الرغم من أن قانون الأحوال الشخصية جانب هين من جوانب أي برنامج سياسي، بل أنه أسهل جوانب تطبيق الشريعة الإسلامية، لأنه لا خلاف عليها أو حولها في كونها المصدر الوحيد للتشريع في هذا المجال، وهي في النهاية قضية يبدو وجهها الديني أكثر وضوحاً من أي وجه آخر.
لكن المشكلة أتت من مواجهة العلماء لعالم جديد، ترتبت فيه للمرأة حقوق لم تترتب في عصر سابق، وأصبح عمل المرأة على سبيل المثال واقعاً لا منـّة أو منحة، وحقاً مكتسباً لا سبيل إلى مناقشته، وطرحت المتغيرات الجديدة في المجتمع من الظروف ما لا سابقة له في عهد مالك أو أبي حنيفة أو الشافعي أو ابن حنبل، فأزمة الإسكان قائمة، بل إن هناك ما لم يعرفه الفقهاء الأربعة حين ناقشوا هذه القضية، من حكم الشقة المستأجرة أو (التمليك)، وهي كلها أمور أوقعت العلماء في حيص (و هو الاختلاف بينهم)، وفي بيص (وهو الخلاف بينهم من ناحية وبين قطاعات كبيرة في المجتمع من ناحية أخرى).
وفي كل حال من الأحوال الثلاث – أقصد القوانين الثلاثة – وجد العلماء ضالتهم في الانتقال من مالك إلى أبي حنيفة، فإن لم يجدوا انتقلوا إلى فتاوى فقهاء أقل حظاً من الشهرة من أمثال سهل بن معاوية، وهم في كل الأحوال لم يتجاوزا القرن الثاني الهجري قيد أنملة، أو إن شئنا الدقة قيد عام.
ماذا سيكون الحال إذا تطرق الأمر إلى مجال الاقتصاد، وشغل دعاة الدولة الإسلامية أنفسهم بقضية زيادة الإنتاج في المجتمع، وفوجئوا بحجم استثمارات القطاع العام التي تتراوح بين ثلاثين إلى خمسين مليار جنية، يعتمد تمويلها على مدخرات المصريين في بنوك القطاع العام. والمدخرات في صورة ودائع، والودائع تستحق فوائد، وآخر اجتهادات القرن الثاني الهجري، والتي لم تعاصر قطاعاً عاماً أو بنوكاً أدخلت العائد الثابت للمدخرات في دائرة الربا، وآخر ما و صل إليه الداعون للدولة الإسلامية هو الركون إلى اجتهادات هؤلاء الفقهاء، وكأنها تنزيل من التنزيل، ماذا سيكون الحال؟..
مأزق إن تجمدوا، وبرنامج سياسي إذا اجتهدوا، ولعل أول الحالين أقرب لتصوير الواقع، فالتصوير أهون من التطوير، والحكم بخروج المجتمع كله من دائرة الإيمان أسهل، والحكم بعدم مشروعية الفوائد أيسر، وتجهيل المجتمع ومؤسساته أضمن، والنحو باللائمة على الزمان أسهل السبل، والترحم على الشاعر العربي وارد حين قال (نعيب زماننا والعيب فينا)، هذا عن هين الأمور، وأقصد به التفصيلات، أما أصعبها وأقصد به الأمور العامة، والمنظمة لأسلوب اختيار الحاكم أو أسلوب الحكم أو العلاقة بين السلطات فإن تناول أي منها هو المحك الحقيقي لدعوة (الدولة الدينية) بعيداً عن سجع الألفاظ وشقشقات البلاغة.
وأنت في طرحك للأسئلة وبحثك عن الإجابات تكتشف أنك في سباق للموانع، ومباراة لاستعراض حجم ضخم من الخلافات التي لم تحسم، ولم يمنع عدم حسمها، نتيجة غياب الاجتهاد المستنير، أن يدعوك البعض إلى خوض التجربة، وأن يتحاشى الجميع الخوض فيها إيثاراً لراحة البال (بالهم هم)، وتجنباً للخلاف (خلافهم هم)، وهم في كل الأحوال في مأمن، إن أعجزتهم الإجابة أفتوا بأنك لا تملك أدوات البحث في القضايا الدينية، وإن أفحمهم المنطق تنادوا بأنك عميل للإمبريالية، أو متأثر بالشيوعية، أو ناطق بلسانهما معاً.
وحتى لا تتحول القضية إلى تراشق فإنني سأحاول معك أن أستعرض بعضاً من تلك الموانع التي أشرت إليها، ولنبدأ بالحاكم، وبديهي أن أول ما سيتبادر إلى ذهنك هو الشروط التي يجب أن تتوافر فيه، وقد تتصور أن الشروط سهلة، وأنها يمكن أن تتمثل في كونه مسلماً عاقلاً رشيداً إلى آخر هذه الأوصاف العامة، لكنك تصطدم بشرط غريب، تذكره كثير من كتب الفقه، وهو أن يكون (قرشياً)، وقد تتعجب من أن ينادي البعض بهذا الشرط باسم الإسلام، الذي يتساوى الناس أمامه (كأسنان المشط)، والذي لا يعطي فضلاً لعربي على عجمي إلا بالتقوى.
وقد يتبادر إلى ذهنك خاطر غريب، وإن كان صحيحاً، يتمثل في أن هذا الشرط قد وضع لكي يبرر حكم الخلفاء الأمويين أو العباسيين، وكلهم قرشي، بل قد يتداعى إلى ذهنك ما قرأته في كتب التاريخ القريب عن الملك فاروق في أول عهده، حين قدمه محترفو السياسة إلى المصريين في صورة الملك الصالح، وظهر في الصور بلحيته ومسبحته ونصف إغفاءة من عينيه، وتسارع بعض رجال الدين (الطموحين) إلى المناداة به ملكاً (وإماماً) للمسلمين، واجتهد الأذكياء منهم في إثبات نسبه للرسول، وتبارى الإعلام في الإعلان عن هذا النسب وتأكيده، تحقيقاً لشرط من شروط الإمامة، وسداً للذرائع على المعترضين.
ولعلك مثلي تماماً لا تستريح لهذا الشرط، الذي يصنف المسلمين إلى أصحاب دم أزرق وهم القرشيون الحكام، وأصحاب دم أحمر ينتظم الأغلبية، لكنهم يواجهونك بحديث نبوي مضمونه أن الإمامة من قريش، وتتبادر إلى ذهنك في الحال عشرات الأحاديث التي وضعها الوضاعون، والتي و صلوا فيها إلى تسمية الخلفاء العباسيين وتحديد موعد خلافتهم بالسنة واليوم، وهي كلها أحاديث وضعها من لا دين لهم هوى الحكام، ولا ضمير لهم ولا عقيدة، لكنك في نفس الوقت تخشى من اتهامك بالعداء للسنة، خاصة من الذين قصروا دراستهم للأحاديث النبوية على أساس السند وليس على أساس المتن (أي المعنى والمضمون ومدى توافقه مع النص القرآني).
ولا تجد مهرباً إلا بتداعيات اجتماع سقيفة بني ساعدة في المدينة، والذي اجتمع فيه الأنصار لانتخاب سعد بن عبادة، وسارع أبو بكر وعمر وأبو عبيده الجراح إليهم ورشحوا أبا بكر، ودار حوار طويل بين الطرفين، انتهى بمبايعة أبي بكر، وأنت في استعراضك للحوار، لا تجد ذكراً للحديث النبوي السابق، وهو إن كان حديثاً صحيحاً لما جرؤ سعد بن عبادة سيد الخزرج على ترشيح نفسه، ولكفى أبا بكر وعمر والجراح مؤونة المناظرة، ولما فاتهم أن يذكروه وهو في يدهم سلاح ماض يحسم النقاش، ويكفي أن تعلم أن سعد بن عبادة ظل رافضاً لبيعة أبي بكر إلى أن مات، ولم يجد من يأخذ بيده إلى هذا الحديث فيبايع عن رضى وهو الصحابي الجليل ذو المواقف غير المنكورة في الإسلام، غير أن لكل ظاهرة سيئة وجهها المفيد، فقد انبرى أصحاب الرأي الآخر، والذين يؤمنون بحق الاكفأ في الحكم دون اعتبار لنسبه إلى ذكر أحاديث مضادة بمنطق"وداوها بالتي كانت هي الداء"، مضمونها أنه لا مانع من أن يحكم المسلمين عبد حبشي أسود (كأن رأسه زبيبة) فأعادوا للمنطق توازنه، وأعطوا لكثير من الطوائف الإسلامية التي نشأت فيما بعد سنداً لرأيهم المعارض لخلافة العباسيين، وإن كانت نتيجة ذلك كله، وضع المانع الأول في مسيرة الدولة الإسلامية، وهو الخلاف الفقهي حول نسب الحاكم وهل يكون بالضرورة قرشياً أم أنه الاكفأ بغض النظر عن نسبه، ولا عبرة هنا بالمنطق أو بواقع الحال، فسيف إنكار الحديث وارد على رقاب كل من الطرفين، في قضية أتصور أنا وأنت أنها هينة سهلة، لا تستحق عناء ولا تقتضي طول بحث، ولا تنتقل منها أو تتجاوزها إلى أسلوب تولية الحاكم حتى تكتشف مانعاً ضخماً يدور حوله الجدل إلى اليوم ولا يقنع المتجادلون فيه بمنطق بسيط وواضح وهو أن القرآن لم يترك قاعدة في هذا الأمر، والرسول لم يعرض لها من قريب أو بعيد وإلا لما حدث الخلاف والشقاق في اجتماع السقيفة، ولما رفض على قبول تولية أبي بكر ومبايعته على اختلاف في الرواية بين رفضه المبايعة أياماً في أضعف الروايات، وشهوراً حتى موت فاطمة في أغلبها، بل إن أسلوب السقيفة لو كان هو الأصح، لاتبعه أبو بكر نفسه وترك تولية من يليه إلى المسلمين أو أهل الحل والعقد منهم، وهو ما لم يفعل حين أوصى لعمر بكتاب مغلق بايع عليه المسلمون قبيل وفاته دون أن يعلموا ما فيه، وهو أيضاً مرة أخرى ما خالفه عمر في قصر الاختيار بين الستة المعروفين، وهم على وعثمان وطلحة والزبير وابن عوف وسعد، وهو ما اختلف عن أسلوب اختيار على ببيعة بعض الأمصار، ومعاوية بحد السيف، ويزيد بالوراثة.
أنت هنا أمام ستة أساليب مختلفة لاختيار الحاكم، يرفض المتزمتون تجاوزها، ويختلفون في تفضيل أحدها على الآخر، ويرى المتفتحون أن دلالتها الوحيدة أنه لا قاعدة، وأن الإسلام السمح العادل، لا يرفض أسلوب الاختيار بالانتخاب المباشر أو غير المباشر، وهو ما لا أظن أنه كان يوماً، حتى يومنا هذا محل اتفاق أو قبول عام من أنصار الدولة الدينية.
ولعلي لا أتحدث من فراغ، بل أصدر عن واقع النظم الإسلامية المعاصرة في عالمنا الحديث، فهناك بيعة أهل الحل والعقد (المختارون) في السعودية مع قصر الترشيح على أفراد الأسرة المالكة، وهناك المبايعة على كتاب مغلق يكتبه الحاكم ويوصى فيه لمن يليه اشتقاقاً من أسلوب اختيار أبي بكر لعمر، في السودان في عهد النميري، وهناك ولاية الفقيه في إيران، وهناك اعتبار الموافقة في الإستفتاء على الشريعة الإسلامية موافقة ضمنية على الحاكم واختياراً له في الباكستان، وهناك في كل الأحوال مانع جديد يضاف إلى ما سبق، وهو أن مدة تولية الحاكم في كل الأحوال السابقة مستمرة مدى حياته، ولا عبرة في ذلك بأن البيعة على أساس الالتزام بكتاب الله وسنة رسوله، وأن الحاكم يعزل إذا خالف ذلك، فما أكثر ما خالف، دون أن يعزل أو حتى يعترض عليه قديماً كان أو حديثاً، وحديث التاريخ في هذا ذو شجون بل قل ذو جنون، سواء في تطرف الحاكم في خروجه على صحيح العقيدة أو تطرف الرعية في الخنوع لإرادته والخضوع لبطشه، ولعل القارئ يلاحظ أنني قد تشددت في العبارات الأخيرة حتى أستلهم في ذهن دعاة الدولة الدينية رداً منطقياً بأن الشورى مانعة لبطش الحاكم، حافظة لحق الرعية، غير أني آسف إذا ذكرت لهم أن هذا بدوره يقود إلى مانع جديد هو الخلاف حول كنه الشورى، وهل هي ملزمة للحاكم وهو رأي الأقلية أم أنها غير ملزمة له وهو رأي الأغلبية التي تفرق بين كون الحاكم ملزماً بأن يستشير، وبين كونه في نفس الوقت غير ملزم باتباع رأيهم حتى إن اجتمعوا عليه جميعهم أو أغلبهم.
لقد أدرك بعض المخلصين من الدعاة أنهم يواجهون من ظروف المجتمعات الحديثة ما لم يواجهه السلف، وأن الديموقراطية بمعناها الحديث، وهو حكم الشعب بالشعب لا تتناقض مع جوهر الإسلام وأن اجتهادات المؤمنين بالديموقراطية، والتي تمخضت عن أساليب الحكم النيابي، والانتخابات المباشرة، لا يمكن أن تصطدم بجوهر العدل في الدين الإسلامي، وروح الحرية التي تشمل ويشملها، ومن أمثالهم الأستاذ الكبير خالد محمد خالد والعالم الجليل محمد الغزالي، لكنهم واجهوا تياراً كاسحاً من الرفض لما أملاه عليهم اتساع أفقهم، وفهمهم لجوهر العقيدة الأصيل، وانبرى زعماء التيارات الثورية والتقليدية في نقد الآراء وتفنيدها، لا فرق في هذا بين معتدل أو متطرف، ودونك ما نشر على لسان الأستاذ عمر التلمساني والأستاذ عمر عبد الرحمن وهو في مجمله يرفض مقولة حكم الشعب بدعوى أن الحكم لله، وهو أمر لو أمعنت النظر فيه لما وجدت تناقضاً، لكنهم يحاولون تأصيل منهجهم بافتراضات منها أن الأغلبية قد تقر تشريعاً يعارض شريعة الله، وأن التسليم بحق المجالس النيابية في التشريع سلب لحق إلهي ثابت ومقدس، وهو كونه جل شأنه المشرع الأكبر والوحيد.
وأنها – أي الديموقراطية – قد تعطل النص الشرعي بالرأي الشخصي، وهكذا أيها القارئ لا تنتهي عقبة أو مانع إلا وتظهر عقبة جديدة أو مانع جديد، وهي كلها موانع قد يسعد بها المجتهدون المتفتحون، لأنها تفتح أمامهم باباً واسعاً للرأي وللاجتهاد دون خروج على صحيح الدين، ودون تصادم مع روح العصر، لكنها في الجانب الآخر تفزع من ركنوا إلى اجتهادات السلف أيما فزع، وتضعهم بين شقي الرحى، إن دارت يميناً طحنت برفض العصر، وإن دارت شمالاً طحنت برفض العقل، وإن سكنت أبقتهم حيث هم، يهربون من الأصل إلى الفرع، ويخفون منطقاً أواجههم به، بل إن شئت الدقة أتحداهم به، وهو أن الشريعة وحدها لا تستقيم وجوداً أو تطبيقاً إلا في مجتمع إسلامي أو بمعنى أدق دولة دينية إسلامية، وأن هذه الدولة والجزئيات، وأنهم أعجز من أن يصيغوا مثل هذا البرنامج أو يتقدموا به، وأنهم يهربون من الرحى برميها فوق رؤوسنا، داعين إيانا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، التي تقودنا بالحتم إلى دولة دينية إسلامية، نتخبط فيها ذات اليمين وذات اليسار، دون منارة من فكر أو اجتهاد مستنير، وليحدث لنا ما يحدث، وليحدث للإسلام ما يحدث، وما علينا إلا أن نمد أجسادنا لكي يسيروا عليها خيلاء، إن أعجزهم الاجتهاد الملائم للعصر رفضوا العصر، وأن أعجزهم حكم مصر هدموا مصر.
ثالثا: إنه من المناسب أن أناقش معك أيها القارئ مقولة ذكرتها لك ضمن وجهة نظر الداعين للتطبيق الفوري للشريعة، وهي قولهم بأن التطبيق (الفوري) للشريعة، سوف يتبعه صلاح (فوري) لمشاكله، وسوف أثبت لك أن صلاح المجتمع أو حل مشاكله ليس رهناً بالحاكم المسلم الصالح، وليس أيضاً رهناً بتمسك المسلمين جميعاً بالعقيدة وصدقهم فيها وفهمهم لها، وليس أيضاً رهناً بتطبيق الشريعة الإسلامية نصاً وروحاً، بل هو رهن بأمور أخرى أذكرها لك في حينها، دليلي في ذلك المنطق وحجتي في ذلك وقائع التاريخ، وليس كالمنطق دليل، وليس كالتاريخ حجة، وحجة التاريخ لدى مستقاة من أزهى عصور الإسلام عقيدة وإيماناً، وأقصد به عصر الخلفاء الراشدين.
أنت أمام ثلاثين عاماً هجرياً (بالتحديد تسعة وعشرون عاماً وخمسة أشهر) هي كل عمر الخلافة الراشدة، بدأت بخلافة أبي بكر (سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام) ثم خلافة عمر (عشر سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوماً) ثم خلافة عثمان (إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وتسعة عشر يوماً) ثم خلافة علي (أربع سنين وسبعة أشهر).
وتستطيع أن تذكر بقدر كبير من اليقين أن خلافة أبي بكر قد انصرفت خلال العامين والثلاثة أشهر إلى الحرب بين جيشه وبين المرتدين في الجزيرة العربية، وأن خلافة علي قد انصرفت خلال الأربعة أعوام والسبعة أشهر إلى الحرب بين جيشه في ناحية وجيوش الخارجين عليه والرافضين لحكمه في ناحية أخرى، بدءاً من عائشة وطلحة والزبير في موقعة الجمل، وانتهاء بجيش معاوية في معركة صفين ومروراً بعشرات الحروب مع الخوارج عليه من جيشه، وأنه في العهدين كانت هموم الحرب ومشاغلها أكبر بكثير من هموم الدولة وإرساء قواعدها.
أضف إلى ذلك قصر عهد الخلافتين، حيث لم يتجاوز مجموع سنواتهما ست سنوات وعشرة أشهر، ويبقى أمامك عهد عمر وعهد عثمان، حيث يمكن أن تتعرف فيهما على الإسلام الدولة في أزهى عصور الإسلام إسلاماً، وأحد العهدين عشر سنين ونصف (عهد عمر)، والثاني حوالي أثنى عشر عاماً (عهد عثمان)، وهي فترة كافية لكل من العهدين لكي يقدم نموذجاً للإسلام الدولة كما يجب أن تكون، فعمر وعثمان من أقرب الصحابة إلى قلب الرسول وفهمه، والاثنان مبشران بالجنة، وللأول منهما وهو عمر مواقف مشهودة في نصرة الإسلام وإعلاء شانه، وهي مواقف لا تشهد بها كتب التاريخ فقط، بل يشهد بها القرآن نفسه، حين تنزلت بعض آياته تأييداً لرأيه، وهو شرف لا يدانيه شرف، وللثاني منهما وهو عثمان مواقف إيمان وخير وجود، ويكفيه فخراً أنه زوج ابنتي الرسول، هذا عن الحاكم في كل من العهدين.
أما عن المحكومين، فهم صحابة الرسول وأهله وعشيرته لا تحدث واقعة إلا تمثل أمامهم للرسول فيها موقف أو حديث ولا يمرون بمكان إلا وتداعت إلى خيالهم ذكرى حدث به أو قول فيه ولا تغمض أعينهم أمام المنبر إلا وتمثلوا الرسول عليه قائماً ولا يتراصون للصلاة خلف الخليفة إلا وتذكروا الرسول أمامهم إماماً، وهم في قراءتهم للقرآن يعلمون متى نزلت الآية، وأين، ولماذا إن كان هناك سبب للتنزيل، وباختصار يعيشون في ظل النبوة ويتأسون بالرسول عن قرب وحب، هذا عن المحكومين، ولا يبقى إلا الشريعة الإسلامية وهي ما لا يشك أحد في تطبيقها في كل من العهدين.
بل أنك لا تتزيد إن أعلنت أن هذا العهد أو ذاك، كان أزهى عصور تطبيقها لأنها لزوم ما يلزم في ضوء ما سبق أن ذكرنا بشأن الحاكم والمحكوم، ومع ذلك فقد كان عهد عمر شيئاً وعهد عثمان شيئاً آخر فقد ارتفع عمر بنفسه وبالمسلمين إلى أصول العقيدة وجوهرها، فسعد المسلمون به، وصلح حال الدولة على يديه، وترك لمن يليه منهجاً لا يختلف أحد حوله، ولا نتمثل صلاح الحكم وهيبة الحاكم إلا إذ استشهدنا به، بينما قاد عثمان المسلمين إلى الاختلاف عليه، ودفع أهل الحل والعقد إلى الإجماع على الخلاص منه، إما عزلاً في رأي أهل الحجى، أو قتلاً في رأي أهل الضراب، واهتزت هيبته في نظر الرعية إلى الحد الذي دفع البعض إلى خطف السيف من يده وكسره نصفين أو حصبه على المنبر، أو التصغير من شأنه بمناداته (يا نعثل) نسبة إلى مسيحي من أهل المدينة كان يسمى نعثلاً وكان عظيم اللحية كعثمان، أو الاعتراض عليه من كبار الصحابة بما يفهم منه دون لبس أو غموض أنه خارج على القرآن والسنة، ووصل الأمر إلى الدعوة الصريحة لقتله، حيث يروي عن عائشة قولها: اقتلوا نعثلاً لعن الله نعثلاً، وهي كلها أمور لا تترك لك مجالاً للشك فيما وصل إليه أمر الخليفة قبل رعيته، وما وصل إليه أمر الرعية قبل الخليفة.
وعلى الرغم من أن عمر وعثمان قد ماتا مقتولين، إلا أن عمر قد قـُتل على يد غلام من أصل مجوسي، وترك قتله غصة في نفوس المسلمين، وأثار في نفوسهم جميعاً الروع والهلع لفقد عظيم الأمة، ورجلها الذي لا يعوض، بينما على العكس من ذلك تماماً، ما حدث لعثمان عند مقتله، فقد قتل على يد المسلمين الثائرين المحاصرين لمنزله وبإجماع منهم، وقد تتصور أن قتلة عثمان قد أشفوا غليلهم بمصرعه على أيديهم، وانتهت عداوتهم له بموته، لكن كتب التاريخ تحدثنا برواية غريبة ليس لها نظير سابق أو لاحق، وإن كانت لها دلالة لا تخفى على أريب:
فالطبري يذكر في كتابه تاريخ الأمم والملوك الجزء الثالث ص 439:
(لبث عثمان بعدما قتل ليلتين لا يستطيعون دفنه ثم حمله أربعة"حكيم ابن حزام وجبير بن مطعم ونيار بن مكرم وأبو جهم بن حذيفة"فلما وضع ليصلي عليه جاء نفر من الأنصار يمنعوهم الصلاة عليه فيهم أسلم بن أوس بن بجرة الساعدي وأبو حية المازني ومنعوهم أن يدفن بالبقيع فقال أبو جهم ادفنوه فقد صلى الله عليه وملائكته فقالوا لا والله لا يدفن في مقابر المسلمين أبداً فدفنوه في حش كوكب (مقابر اليهود) فلما ملكت بنى أمية أدخلوا ذلك الحش في البقيع)
وفي رواية ثانية (أقبل عمير بن ضابئ، وعثمان موضوع على باب فنزا عليه فكسر ضلعاً من أضلاعه)، وفي رواية ثالثة أنهم دفنوه في حش كوكب حين رماه المسلمون بالحجارة فاحتمى حاملوه بجدار دفنوه فوقع دفنه في حش كوكب.
هذا خليفة المسلمين الثالث، يقتله المسلمون، لا يستطيع أهله دفنه ليلتين ويدفنوه في الثالثة، يرفض المسلمون الصلاة عليه، بقسم البعض ألا يدفن في مقابر المسلمين أبداً، يحصب جثمانه بالحجارة، يعتدي مسلم على جثمانه فيكسر ضلعاً من أضلاعه، ثم يدفن في النهاية في مقابر اليهود.
أي غضب هذا الذي يلاحق الحاكم حتى وهو جسد مسجى، وينتقم منه وهو جثة هامدة، ولا يراعي تاريخه في السبق في الإسلام والذود عنه، ولا عمره الذي بلغ السادسة و الثمانين، ويتجاهل كونه مبشراً بالجنة وزوجاً لابنتي الرسول، ويرفض حتى الصلاة عليه أو دفنه في مقابر المسلمين شأنه شأن أفقرهم أو أعصاهم. هو غضب لا شك عظيم، وخطب لا ريب جليل، وحادث لا تجد أبلغ منه تعبيراً عن رأي المسلمين في حاكمهم، وأمر لا يؤثر في الإسلام من قريب أو بعيد، فعثمان رضي الله عنه ليس ركناً من أركان الإسلام، وإنما هو بشر يخطئ ويصيب، وحاكم ليس له من الحصانة أو القدسية ما يرفعه عن غيره من المسلمين، لكنك لا تملك إلا أن تتساءل معي وأن تجيب.
* ألم يكن عثمان وقت اختياره واحداً من خيار المسلمين، مبشراً بالجنة وأحد ستة هم أهل الحل والعقد، وأحد اثنين لم يختلف المسلمون على أن الخلافة لن تخرج عنهما وهما عثمان وعلي؟
والإجابة (بلــــى)
* ألم يكن المسلمون في أعلى درجات تمسكهم بالعقيدة، وأقرب ما يكونون إلى مصدرها الأول وهو القرآن ومصدرها الثاني وهو السنة، بل كان أغلبهم أصحاباً للرسول وناقلين عنه ما وصلنا من حديث وأحداث؟
والإجابة (بلــــى)
* ألم تكن الشريعة الإسلامية مطبقة في عهد عثمان رضي الله عنه؟
والإجابة (بلــــى)
* هل ترتب على ما سبق (حاكم صالح ومسلمون عدول وشريعة إسلامية مطبقة) أن صلح حال الرعية؟، و حسن حال الحكم؟ وتحقق العدل؟ وساد الأمن و الأمان؟
والإجابة (لا).
وهنا نصل سوياً إلى مجموعة من النتائج نستعرضها معاً عسى أن تحل لنا معضلة التفسير وأن تجيب معنا على السؤال الحائر و موجزه لفظ (لماذا).
النتيجة الأولى:
أن العدل لا يتحقق بصلاح الحاكم، ولا يسود لا بصلاح الرعية، ولا يتأتى بتطبيق الشريعة، وإنما يتحقق بوجود ما يمكن أن نسميه (نظام حكم)، وأقصد به الضوابط التي تحاسب الحاكم إن أخطأ، وتمنعه إن تجاوز، وتعزله إن خرج على صالح الجماعة أو أساء لمصالحها، وقد تكون هذه الضوابط داخلية، تنبع من ضمير الحاكم ووجدانه، كما حدث في عهد عمر، وهذا نادر الحدوث، لكن ذلك ليس قاعدة ولا يجوز الركون إليه، والأصح أن تكون مقننة ومنظمة.
فقد واجه قادة المسلمين عثمان بخروجه على قواعد العدل بل وأحياناً بخروجه عل صحيح جوهر الإسلام، فلم يغير من سياسته شيئاً، وبحثوا فيما لديهم من سوابق حكم فلم تسعفهم سابقة، ومن قواعد لتسيير أمور الدولة فلم يجدوا قاعدة، وأشتد عليهم الأمر فحاصروه وطلبوا منه أن يعتزل، ولأن قاعدة ما في الأمر لم تكن موجودة، فقد أجابهم بقوله الشهير والله لا أنزع ثوباً سربلنيه الله (أي ألبسنيه الله)، وحين اقترب الأمر من نهايته، وأصبح قاب قوسين أو أدنى من ملاقاة حتفه على يد رعيته، أرسلوا إليه عرضاً فيه من المنطق الكثير ومن الصواب ما لا يختلف عليه.
فقد خيروه بين ثلاث:
- إما الإقادة منه (أي أن يعاقب على أخطائه شأنه شأن أي مسلم يخطئ) ويستمر بعدها خليفة بعد إدراكه أنه لا خطأ دون عقاب.
- وإما أن يتبرأ من الإمارة (أي أن يعتزل الخلافة بإرادته).
- وإما أن يرسلوا الأجناد وأهل المدينة لكي يتبرأوا من طاعته (أي أن يعتزل الخلافة بإرادة الرعية) .
فكان رده كما ورد في رسالته الأخيرة كما انتسخها بن سهيل (وهم يخيرونني إحدى ثلاث إما يقيدونني بكل رجل أصبته خطأ صواباً غير متروك منه شئ، وإما أعتزل الأمر فيؤمرون آخر غيري وإما يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرأون من الذي جعل الله سبحانه لي عليهم من السمع والطاعة فقلت لهم أما إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب فلم يستقدمن أحد منهم وقد علمت إنما يريدون نفسي وأما أن أتبرأ من الإمارة فإن يكلبوني أحب إلى من أن أتبرأ من عمل الله عز وجل وخلافته وإما قولكم يرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرأون من طاعتي فلست عليكم بوكيل ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة ولكن أتوها طائعين).
هنا يوضح عثمان بصراحة أن مراجعة الخليفة على الخطأ لم تكن واردة فيمن سبقه من الخلفاء (أبو بكر وعمر) أو على الأقل ليس لها قاعدة، وهنا أيضاً يعلن بلا مواربة أنه مُصر على تمسكه بالحكم حتى النهاية وأن اعتزاله غير وارد، وهنا أيضاً يواجه الدعوة إلى سحب البيعة بمنطق غريب مضمونه، وهل كنت أكرهتكم حين بايعتم؟ وكأن البيعة أبدية ولا مجال لسحبها أو النكوص عنها.
لا قاعدة إذن ولا نظام للرقابة، والأمر كله موكول لضمير الحاكم إن عدل وزهد كان عمر، وإن لم يعدل ويمسك بالحكم كان عثمان.
لقد أعلن عثمان أن نظام الحكم الإسلامي (من وجهة نظره) يستند إلى القواعد الآتية:
- خلافة مؤبدة
- لا مراجعة للحاكم ولا حساب أو عقاب أن أخطأ.
- لا يجوز للرعية أن تنزع البيعة منه أو تعزله، ومجرد مبايعتها له مرة واحدة، تعتبر مبايعة أبدية لا يجوز لأصحابها سحبها وإن رجعوا عنها أو طالبوا المبايع بالاعتزال.
ولأن أحدا لا يقر ولا يتصور أن تكون هذه هي مبادئ الحكم في الإسلام، قتله المسلمون، لكن السؤال يظل حائراً، ومضمونه، هل هناك قاعدة بديلة؟
أو نظام حكم واضح المعالم في الإسلام؟
هل هناك قاعدة في القرآن والسنة تحدد كيف يبايع المسلمون حاكمهم، وتضع ميقاتاً لتجديد البيعة، وتحدد أسلوباً لعزل الحاكم بواسطة الرعية، وتثبت للرعية حقها في سحب البيعة كما تثبت لها حقها في إعلانها، وتعطي المحكومين الحق في حساب الحاكم وعقابه على أخطائه، وتنظم ممارستهم لهذا الحق؟
أعتقد أن السؤال كان حائراً ولا يزال، بل إن السؤال نفسه قد اختفى بعد عهد الخلفاء الراشدين، وحرص المزايدون والمتزيدون في عصرنا على إخفائه، تجنباً للحرج، وتلافياً للخلاف، ونأياً بأنفسهم عن الاجتهاد وهو أمر بالنسبة لهم عسير، ربما عن قعود، وربما عن جمود، وربما عن عجز.
النتيجة الثانية:
إن تطبيق الشريعة الإسلامية وحده ليس هو جوهر الإسلام، فقد طبقت وحدث ما حدث، وأخطر من تطبيقها بكثير وضع قواعد الحكم العادل المتسق مع روح الإسلام، فقد رأينا أن الشريعة كانت مطبقة، وأن الحاكم كان صالحاً، وإن الرعية كانت مؤمنة، وحدث ما حدث، لغياب ما غاب، وأظنه لا يزال غائباً.
ولعل ما حدث في السودان خير دليل على مغبة البدء بالوجه العقابي للإسلام، وهو ما حدث حين أعلن الحاكم عن تطبيق الشريعة الإسلامية وبدأ في إقامة الحدود في مجتمع مهدد بالمجاعة، الأمر الذي ترتب عليه أن أصبح أنصار تطبيق الشريعة الإسلامية بعد تلك التجربة أقل بكثير من أنصارها قبل التطبيق، فالبدء يكون بالأصل وليس بالفرع، وبالجوهر وليس بالمظهر، وبالعدل قبل العقاب، وبالأمن قبل القصاص وبالأمان قبل الخوف، وبالشبع قبل القطع.
النتيجة الثالثة:
إنك إن انتقلت من عهد عثمان إلى عهدنا الحاضر، لا تجد شيئاً قد اختلف أو استجد سواء بالنسبة لحل مشاكل المجتمع، أو بالنسبة لمواجهة السلطة إن انحرفت، من خلال منظور إسلامي، ودونك ربطهم بين تطبيق الشريعة وحل مشاكل المجتمع، واسألني وأسأل نفسك.
* كيف ترتفع الأجور وتنخفض الأسعار إذا طبقت الشريعة الإسلامية؟
* كيف تحل مشكلة الإسكان المعقدة بمجرد تطبيق الشريعة الإسلامية؟
* كيف تحل مشكلة الديون الخارجية بمجرد تطبيق الشريعة الإسلامية؟
* كيف يتحول القطاع العام إلى قطاع منتج بما يتناسب وحجم استثماراته في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية؟
هذه مجرد عينات من الأسئلة، على الداعين للتطبيق الفوري (للشريعة) والمدعين أنها سوف يترتب عليها حل (فوري) لمشاكل المجتمع أن يجيبوا عليها، وهم إن حالوا الإجابة وجدوا أنفسهم أمام المأزق الذي يدور هذا الحوار حوله، وهو وضع برنامج سياسي متكامل، بل إن تفرغهم للإبداع (النقلى) من اجتهادات القرن الثاني الهجري يمكن أن يقودهم إلى تعقيد المشاكل بدلاً من حلها، فالنظرة الضيقة إلى مفهوم الربا إن طبقت في عالم اليوم، سوف تقود إلى ارتباك هائل في سوق المال وسوف تلجئ إلى تحايل نرى ملامحه في تجربة البنوك الإسلامية، وربما أدت إلى الخراب بدلاً من التنمية، والكساد بديلاً عن الرواج.
وقبل أن تفغر فاك مندهشاً أو ترفع يدك معترضاً دعني أذكر لك أن الشريعة لا تقود إلى ذلك، بل إنه اجتهاد القرن الثاني الهجري هو الذي يقود إذا طبق في عالم تغيرت معالمه تغيرت معالمه، وتبدلت أحواله، وعرف أنماطاً من التعامل لم يعرفها السلف، وطرأت فيه من المتغيرات ما لا يقصر الاستدانة على الحاجة، أو الادخار على مفهوم إقراض الغير، وعرف التضخم الذي يترتب عليه خفض القوة الشرائية للنقود، إلى غير ذلك مما لا يسعه حصر ولم يشمله اجتهاد بعد، اللهم إلا اجتهاد في مناخ غير المناخ، ولعصر غير العصر.
هذا عن الربا، فماذا عن الأجور والأسعار والإسكان، هل هناك علاقة بين هذه الظواهر أو المشاكل وبين تطبيق الشريعة، المؤكد أنهلا علاقة ولا ارتباط، لكن الارتباط قائم ومؤكد إن كان الحديث عن برنامج سياسي ينتظم مفردات المجتمع بما فيه الشريعة في منظومة لا تتناقض مع الإسلام ولا تتصادم مع متغيرات الواقع.
النتيجة الرابعة:
إننا يجب أن نفرق بين الهروب والمواجهة، وبين النكوص والإقدام، وبين المظهرية والجوهر، فالمجتمع لن يتغير والمسلمون لن يتقدموا بمجرد إطالة اللحية و حلق الشارب، والإسلام لن يتحدى العصر بإمكانيات التقدم بمجرد أن يلبس شبابنا الزي الباكستاني، ومصر لن يتألق وجهها الإسلامي الحضاري بمجرد أن يتنادى الشباب بغير أسمائهم فيدعو الواحد منهم الآخر باسم (خزعل) ويرد عليه الآخر التحية بأحسن منها فيدعوه (عنبسة).
واللحاق بركب التقدم العلمي لن يحدث بمجرد استخدام السواك بديلاً عن فرشاة الأسنان أو تكحيل العينين أو استعمال اليد في الطعام أو الاهتمام بالقضايا التافهة مثل نظرية (حبس الظل) في شأن التماثيل أو الصور أو إضاعة الوقت في الخلاف حول طريقة دخول المرحاض وهل تكون بالقدم اليمنى أم اليسرى، وميقات ظهور المهدى المنتظر، ومكان ظهور المسيخ الدجال، فكل هذه قشور، والغريب أنها تشغل أذهان الشباب وبعض الدعاة بأكثر مما يشغلهم جوهر الدين وحقيقته.
وهو جوهر لا يتناقض مع التقدم بحال، وهي حقيقة لا تتوقف أمام هذه الأمور الصغيرة، ولعلي أعترف لك أيها القارئ أنني حزين أشد الحزن، ومكلوم حقيقة لا مجازاً، وأنا أشهد شبابنا وقد امتلأ رأسه بهذه الأمور التافهة، وأشهد قادته من أصحاب الطموح، ومدعى إحياء الإسلام، وهم يرسخون فيه هذه الأسس، بل ويتجاوزون ذلك إلى دعوته لترك العلوم (الوضعية) أو الأعمال (العلمانية) والتفرغ للعبادة.
هل هذا هو وجه الإسلام الحقيقي، وهل هذا هو ما سنواجه به القرن الحادي والعشرين، وهل هؤلاء الذين يسيئون قيادة أنفسهم وأتباعهم هم الصالحون لقيادة المجتمع، وهل أقبل منهم أو تقبل منهم دعوتهم للدولة الدينية وهم لا يتمسكون من الدين إلا بالقشور، ولا يعرفون من العقيدة إلا مظهرها الذي لا أصل له في كتاب الله، ولا سند له إلا التأسي بالرسول في مسايرته لعصر غير عصرنا، ولمجتمع يختلف جملة وتفصيلاً عن المجتمع الذي نعيشه، وليتهم تأسوا به وهو يدعو للرحمة، ويستنكر قتل المسلم للمسلم، ويدعو لطلب العلم ولو في الصين، ويستنكر اعتزال العمل للعبادة، ويعدل في قسمته بين الدين والدنيا، ويعلن حكمته الخالدة للأجيال التالية له، ومضمونها أنهم أعلم بشئون دنياهم.
هؤلاء قوم كرهوا المجتمع فحق للمجتمع أن يبادلهم كرهاً بكره، ولفظوه فحق له أن يلفظهم، وأدانوه بالجاهلية فحق له أن يدينهم بالتعصب وانغلاق الذهن، وخرجوا عليه فحق له أن يعاملهم بما اختاروه لأنفسهم، معاملة الخارجين على الشريعة والقانون، ووضعوا أنفسهم في موضع الأوصياء على الجميع، وهم أولى الناس بأن يعاملوا معاملة المحجور عليهم، وهم من قبل ومن بعد، أساءوا للإسلام ذاته حين ادعوا عليه ما ليس فيه وأظهروا منه ما ينفر القلوب، وأعلنوا باسمه ما يسئ إليه، وأدانوه بالتعصب وهو دين السماحة، واتهموه بالجمود وهو دين التطور، ووصموه بالانغلاق وهو دين التفتح على العلم و العالم، وعكسوا من أمراضهم النفسية عليه ما يرفضه كدين، وما نرفضه كمسلمين.
هو الهروب لأنه أسهل من المواجهة، وهو النكوص لأنه أهون من الإقدام، وهي المظهرية لأنها أيسر من إدراك الجوهر، وهم في مزايدتهم على المظاهر يغالون في المطالبة بالشريعة، وهي مطالبة تتسق مع ما درجوا عليه واتسق تفكيرهم معه، فتطبيق الشريعة في مجتمعنا الحالي، على ما تركه السلف دون اجتهاد ومراجعة، إنما تمثل مظهراً لا غناء فيه، وظاهراً من الأمر لا جوهر له، ومجرد إطار شكلي لا مضمون داخله، أما الجوهر والإطار والمضمون فهو ما أشرت إليه من قواعد تنظم المجتمع على أساس لا تتناقض مع جوهر الدين في شئ، ولا تصطدم مع معطيات العصر في إطارها العام، وهو مطلب بالنسبة لهم عسير، فهم مطالبون أولاً أن يروا العصر على حقيقته قبل أن ينظروا له، وأن يعيشوه قبل أن يبرمجوه، وأن يتفاعلوا معه قبل أن يخططوا مستقبله، وهم في النهاية سحابة صيف لا أشك أنها إلى زوال، وغيم داكن لا أحسب إلا أنه إلى انقشاع.
رابعا: إن أصحاب وجهة النظر الأولى، وأقصد بهم الداعين إلى التطبيق الفوري للشريعة الإسلامية، يضمرون عداء لا حد له للديموقراطية، إما عن قصد نتيجة عدم إيمانهم بها كما أسلفت، وإما عن حسن نية من الكثيرين الذين يدفعهم حماسهم للشريعة إلى المطالبة بإقرارها بعرضها على مجلس الشعب، دون أن تناقش على نطاق شعبي واسع، مع تلويحهم بسيف الخروج عن الدين لأعضاء المجلس، إن هم رفضوا أو تأنوا أو ترددوا ويتجاوز البعض فيحالون القفز فوق المجلس، متوجهين مباشرة إلى رئيس الجمهورية، ومطالبين له بوضعها – هكذا – موضع التنفيذ الفوري الناجز.
ولأن الأمر كما أوضحت ليس أمر شريعة بل أمر اختيار بين الدولة الدينية والدولة المدنية، وهو اختيار كما شرحت من قبل، بين بديل واضح ومطبق وهو الدولة المدنية، وبديل آخر لم يجهد أصحابه أذهانهم في بلورته وتوضيحه وهو الدولة الدينية، فأنه من الصعب والأمر كذلك أن يقضى بشأن هذا الأمر في جلسة أو اثنتين، أو في أسبوع أو اثنين، بل إنني أتصور سبيلاً آخر لطرح هذا الأمر ومناقشته، وهو سبيل أرى أنه الأوفق والأصح، ليس فقط من وجهة نظري، بل إنه لزوم ما يلزم بالنسبة لأمر هذا شأنه، وتلك طبيعته، ولعلي قبل أن أعرض تصوري في هذا الشأن، أتسمع رأي المعارضين لقولي جملة وتفصيلاً، وكأني بهم يقولون، ها هو يلتوي بالكلم، وينكر علينا حقاً يرضاه للآخرين ويطلبه لنفسه، ويتصور الديموقراطية وفقاً على آرائه ونظرائه، ولا يلتزم بالدستور الذي أقر أن تكون مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للقوانين، ولا يلزم نفسه بإرادة الأمة التي أنشأت هذا التعديل، وتمثلت في استفتاء شعبي أعطى التأييد الكامل له، وهي كلها آراء جديرة بالبحث والمناقشة، وتستحق بالفعل كثيراً من التوقف والتأمل.
أما عن الدستور فلا أحسب أنه قد جاء بجديد، فأغلب القوانين القائمة مستمدة من مبادئ الشريعة الإسلامية، مما يجعل منها المصدر الرئيسي للتشريع في مصر، مع ملاحظة أرى أن إبداءها واجب، وتتلخص في أن الدستور ليس كتاباً مقدساً، وأنه يحق لأي مواطن أن يختلف مع بنوده أو أن يعترض عليها، وله أيضاً أن يطالب بتعديلها، على أن يسلك في هذا السبيل ما نظمه الدستور نفسه من سبل لتعديل مواده أو إلغائها أو الإضافة إليها، بل أن أصحاب وجهة النظر الأولى يعترضون على الكثير من نصوص الدستور، مثل النص على تعدد الأحزاب الأمر الذي يختلف عن اعتقادهم في قصرها على حزبين هما حزب الله وحزب الشيطان، بل ويتجاوز أغلبهم تلك الجزئية إلى الاعتراض على ما يتعلق بنظام الحكم في الدستور جملة وتفصيلاً.
ما بالهم إذن يلقون الحجة وهي مردودة إليهم، ويطلقون الرأي وهو مأخوذ عليهم، ويستندون للدستور وهو غير مقبول منهم..
وقريب من ذلك احتكامهم إلى الإستفتاء دليلاً على التأييد الشعبي ورفضهم الاعتراف بشرعية جميع الاستفتاءات التي حدثت منذ اختلفت معهم الثورة وحتى الآن، عدا استفتاء واحد صادف هوى في نفوسهم، ومس من قلوبهم الشغاف، وحلق بهم في أحلام وردية وامتشقوه سلاحاً يخرسون به الألسنة، ويذودون به عن أوهامهم حيناً وأحلامهم أحياناً.
هو الهوى حين يتسلط، والغرض حين يستبد، والمنطق حين يهرب، والعقل حين تغشاه العاطفة، والحجة حين يشوبها الضعف والكلام حين يحتوى خبيئاً، معناه ليست لنا عقول.
ليس الدستور إذن هو السند، و ليس الاستفتاء هو الحجة، وإنما سبيلهم الوحيد كما أتصور، أن يفعلوا ما فعله الآخرون، وهو أن يتقدموا إلى الشعب ببرنامجهم السياسي، وأن يشكلوا حزبهم أو أحزابهم، فإن حازوا الأغلبية في انتخابات حرة فقد ألزمونا بالحجة الدامغة، وأخرسونا بالفعل السديد، و قد اخترت لفظ (أخرسونا) عن قصد لاعتقادي أنه سوف يكون واقعاً لا مراء فيه، ففاقد الديموقراطية لا يعطيها، لكنه إن توصل للحكم بإرادة الشعب كان له ما أراد.
هنا قد يحتج القارئ بأن القوانين الحالية لا تتيح لهم تشكيل أحزاب على أساس العقيدة الدينية، وهو نص قانوني له وجاهته، لكون الأحزاب السياسية منبراً لكل المصريين مهما اختلفت عقائدهم، لكني أحسب أن المناخ الرديء قد تجاوز ذلك وأن الإخوان المسلمين على سبيل المثال يملكون حزباً، ومكتب إرشاد، وصحفاً ومجلات حزبية وغير حزبية تدافع عنهم وتتبنى آراءهم بل ووصل الأمر إلى تواجد ممثلين لهم في المجلس النيابي بعد تحالف الوفد والإخوان المسلمين، ذلك التحالف الذي يشبهه بعض الظرفاء بزواج المتعة الذي تعترف به بعض طوائف الشيعة وتنكره طوائف السنة.
هم موجودون إذن، وهم توصلوا بالشرعية إلى تواجد شرعي، وإنكار تواجدهم إخفاء للرؤوس في الرمال، والسماح لهم ولغيرهم من التيارات السياسية الدينية بتشكيل أحزابهم له من المزايا ما لا يستهان به، فسوف يلزمون بوضع برامج سياسية، وسوف يدور الحوار معهم على أرض الواقع السياسي، وسوف يكون حوار دنيا لا حوار دين وسوف يكون هدفهم كراسي الحكم لا قصور الجنة، وسوف يحجم أئمة المساجد عن المزايدة على مقولاتهم لدخولهم آنذاك في دائرة العمل السياسي الصريح.
وسوف تتحول الأحزاب السياسية إلى معارضتهم بدلاً من المزايدة عليهم، وسوف يختلفون فيما بينهم بأكثر من اختلافهم مع الآخرين، وسوف يواجهون بعضهم البعض بأكثر مما يواجهون الآخرين، وسوف يتحاورون في ساحة ليست ساحتهم، ويتكلمون لغة تصعب عليهم مفرادتها ناهيك عن قواعدها، وفي كل هذا رحمة من الله أي رحمة، ولطف بالوطن أي لطف، ولا حجة هنا للقائلين بأن ذلك سوف يدعو إلى إنشاء أحزاب دينية قبطية، وأنه سوف يمزق الوطن طائفياً، فدرس التاريخ ينبئنا بأن ذلك غير وارد، وإن ورد فلا تأثير له، وغير بعيد عن الأذهان حزب أخنوخ فانوس، الذي تكون وقضى دون أن يزيد عدد أفراده على الآحاد، وغير بعيد تجربة الوفد حين استوعب الأغلبية الساحقة من أقباط مصر، الذين تحتويهم دائماً راية العلمانية، وتستهويهم شعاراتها، وهو أمر ما زالت أسبابه قائمة، وحديث ذلك يطول، وهو في مجمله حديث يهون من أسباب التخوف ولا يدعمها، ويؤكد ما أدعو إليه ولا ينفيه.
هذه هي وجهة النظر الثانية أيها القارئ، أفضت فيها لكثرة ما أفاض أصحاب وجهة النظر الأولى في عرض آرائهم وتزيينها، وأحسب بعد ذلك أنك إلى اختيار، وأن التفكير الهادئ سوف يقودك إلى قرار، بل إنني أحسب أنك توصلت بعد ما سبق إلى مجرد التردد فسوف أحمد الله، ولعلك أدركت معي أنهم قد اختاروا الطريق السهل، وأن اتباعهم إلى ما لا تعلم وما لا يعلمون أمر جلل، وأن يجتهدوا قبل أن يجهدوا الآخرين بحلم لا غناء فيه، وأن يفكروا قبل أن يكفروا، وأن يواجهوا مشاكل المجتمع بالحل لا بالهجرة، وأن يقتصدوا في دعوى الجاهلية حتى لا تقترن بالجهل، وأن يعلموا أن الإسلام أعز من أن يهينوه بتصور المصادمة مع العصر، وأن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب، وأن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الاعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص، والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم. وهي أنهم ليسوا وحدهم.. جماعة المسلمين.

* * * * * * * * * * * * * *

للقارئ أن يحزن ومن حقه أن يتعجب، وهو يستعرض معنا ما عرضناه في الفصل الأول حول مصرع عثمان، أما الحزن فأسبابه مفهومة، وأما التعجب فأبوابه كثيرة، إن سددت منها باباً وحسبت أنك استرحت، انفتحت عليك أبواب، وأثـقلتك هموم، وحسبك أنك إن أدنت لا تدري من تدين، فأنت إن أدنت الثائرين لا تملك أن تبرئ عثمان، وأنت إن أدنت عثمان لا تملك أن تبرئ الثائرين، وأنت إن أدنت الثائرين لا تملك إلا أن تتعاطف معهم في نوازعهم، وأنت إن أدنت عثمان لا تملك إلا أن تتعاطف معه في مصرعه، ولعلك بحكم العاطفة الدينية أقرب إلى إنصاف عثمان، وإلى تلمس الأعذار له، لكنك تصطدم في سبيلك هذا بأقوال كبار الصحابة وأفعالهم ودعوة بعضهم الصريحة إلى حمل السيف والخروج عليه، فهذا عبد الرحمن بن عوف يقول لعلي: إن شئت أخذت سيفك وأخذ سيفي، فقد خالف ما أعطاني ثم يقول لبعض في المرض الذي مات فيه: عالجوه قبل أن يطغي ملكه وهذا طلحة في المرض يؤلب الثائرين حتى لا يجد علي مفراً من أن يفتح بيت المال، ويوزع من أمواله عليهم حتى يتفرقوا، ويقره عثمان على ما فعل، ولن تمر شهور حتى يقتل عثمان، وحتى يخرج طلحة نفسه مطالباً بالثأر له في جيش عائشة، وحتى يصاب بسهم رماه به مروان بن الحكم، صفى عثمان وساعده الأيمن، وخليفة المسلمين بعد ذلك بثلاثين عاماً، ورفيق طلحة في الجيش الثائر من أجل الثأر، وساعتها سوف يدرك طلحة أنها النهاية، فيردد في لحظات الصدق مع النفس ومع الله، هذا سهم رماني به الله، اللهم خذ لعثمان منى حتى ترضى، وهو قول بالغ الدلالة على صحوة الضمير، وتيقن الخطأ، ولم يكن طلحة في هذا مبتدعاً، وإنما كان مسايراً لفعل أصحابه، وهم أنفسهم صحابة الرسول، غاية ما في الأمر أنه كان أكثر تطرفاً، فأهلك وهلك، أما علي والزبير وابن مسعود وعمار وغيرهم، فقد تراوحوا في معارضتهم بين العنف واللين، وانتهوا ما انتهى إليه طلحة، حين هلك بعضهم معه، وتأخر البعض إلى حين.
حدث ما حدث، وقتل المسلمون بسيوف المسلمين، وهلك الصحابة بسيوف الصحابة، وبقيت دلالات الحوداث تؤرق أذهاننا حتى اليوم، واختلف الفقهاء حتى يومنا هذا مع ما لم يتمن أحد أن يناقش، ناهيك عن أن يحدث، وهو (شرعة قتال أهل القبلة)، أي مشروعية قتال المسلمين للمسلمين، ويحلو للبعض أن ينسب نشأة هذه الظاهرة إلى أوائل عهد علي، لكنا نعود بها إلى عهد أبي بكر، حين نتوقف أمام حروب الردة متأملين مفرقين بين قتال أبي بكر للمرتدين عن الإسلام، وبين قتاله للممتنعين عن دفع الزكاة له أو لبيت المال، ولنا في التفرقة بين الفريقين منطق بسيط، يسلم بارتداد الفريق الأول، ويتحرز في وصف الفريق الثاني بالردة، فقد كانوا ينطقون بالشهادتين، ويؤدون جميعا دون إنكار، ويؤدون الزكاة نفسها لكن للمحتاج وليس للخليفة أو لبيت المال، وكانت حجتهم في ذلك الآية الكريمة (خذ من أموالهم)، منصرفة إلى الرسول، موجهة إليه، ولا يجوز أن تنصرف لغيره، لأنها لم توجه إلى غيره، حتى لو كان هذا الغير خليفة الرسول، ولعلنا ونحن نتأمل ونفرق، وربما نتعاطف، نستحضر في أذهاننا موقف عمر من أبي بكر، وهو يسائله عن حجته في قتل من ينطق بالشهادتين، فيجيبه أبو بكر بما يعنى أن للشهادة (حقها)، يقصد بهذا الحق أداء الزكاة لبيت المال، وهو اجتهاد مجهد وجهيد، ولعل عمر كان يستحضر في ذهنه وهو يحاور أبا بكر حديث الرسول عن أن المسلم لا يقتل إلا لثلاث، إن زنى بعد إحصان، أو أرتد بعد إيمان، أو قصاصاً لقتل النفس بغير حق، ولعله كان يرى أن نفى الإيمان عن ناطق الشهادتين، مؤدى الصلاة، صائم رمضان، حاج البيت أن استطاع لذلك سبيلاً، مؤدى الزكاة إلى المحتاج دون وساطة، أمر أن لم يتسع له الإنكار، ونظنه يتسع له، فلا بد أن يضيق به باب القبول أي ضيق، ولعلنا إلى مثل ذلك الضيق أقرب، بل لعلنا منكرون كل الإنكار، لسبب يتصل بنا أكثر مما يتصل بعمر أو بأبي بكر.
فنحن نفعل ما فعله أولئك القوم تماماً، وندفع الزكاة للمحتاج كما كانوا يدفعونها تماماً، ولا ندفعها مثلاً لوزارة الخزانة أو لرئيس الجمهورية، وإن جاز لأبي بكر قتالهم وقتلهم، فإنه يجوز للبعض أن يخرجوا علينا مقاتلين وقاتلين، لا يشفع لنا عندهم أن نرفع عقيرتنا بالنطق بالشهادتين، ولا أن نقسم على أننا ملتزمون بأركان الدين ملزمون لأنفسنا بها، ولولا أننا لم نجد في ديننا عصمة لغير النبي، ولولا أيضاً أننا نرى أن اجتهاد أبي بكر من يليه، وإلا لسلك جميع جمع الخلفاء سبيله في تولية من يليه، بالنص على اسمه في كتاب مغلق يبايعون عليه مغلقاً، وهو ما لم يأخذ به أحد بعده، لولا هذا كله، ولولا إيماننا بأن الإسلام حق، والقرآن حق، ونبوة الأنبياء حق، وبشرية غيرهم حق، ما تناولنا ما أوردناه.
و ما استطردنا فذكرنا أن أبا بكر كان على حق، إذا ناقشنا الأمر من باب آخر هو باب السياسة. فلولا ما فعل ما أصبح للإسلام دولة ثابتة الأركان، متينة البينان، تفتح البلدان، وتنشر العقيدة وتثبت دعائمها، ولقد اجتهد أبو بكر في السياسة فأصاب دون شك، واجتهد في الدين فأصاب أجرين في رأيه، وأجراً واحداً في رأينا، وربما أثبت لمن يرونه أصاب أجراً واحداً أن السياسة قد تتناقض مع قواعد الدين وأصوله، تلك المحفوظة لنا تماماً كما وجدها، وكما نجدها قرآناً وسنة.
وما كان اجتهادنا إلا اجتهاداً وما كان لأحد أن يزعم أن اجتهاد أبي بكر أصل من أصول العقيدة أو ركيزة من ركائز الإيمان، وما كان لنا أن نؤيد ما قد يراه من أن قرار أبي بكر كان سياسياً وليس دينيا، وبمعنى آخر كان علمانياً يفصل بين السياسة والدين، فنحن لا نود أن نرد على تعسف في الاجتهاد بتعسف في الإستنتاج، ولعل فيما ذكرناه ونذكره الكفاية لاستنزال اللعنات علينا ممن يرون في أسماء الصحابة قدساً من الأقداس، وفي أفعالهم طوطماً لا يمس، وحسبنا أن نذكرهم بحديث الرسول الكريم، عن أن عمار بن ياسر سوف تقتله الفئة الباغية، وهو حديث ثابت وصحيح، لأن الجميع تذكره حين قتل عمار، تذكره جيش علي فتهلل، وتذكره جيش معاوية فتزلزل، ولم يهدئ روعه إلا رد معاوية المحنك"قتله من أخرجه".
غير أنا نرى الأمر بعد هذه السنوات عظيماً وجليلاً وذا خطر، ونقرأه بعد كل هذه السنوات فنتزلزل، فإحدى الفئتين باغية لا شك، ولو سلمنا بظاهر الحديث لحكمنا عل جيش معاوية بالبغى، ولأصبح معاوية باغياً وعمرو بن العاص باغياً، ومروان بن الحكم باغياً، وعبيد الله بن عمر باغياً، وغيرهم وغيرهم.
ولو سلمنا بتفسير معاوية لأصبح البغاة فريقاً من كبار الصالحين لا نجرؤ على ذكر أسمائهم مقترنة بالبغى، وإذا كنا قد توقفنا عند مقابلة اجتهاد أبي بكر باجتهاد مقابل، فإن بعضاً من كبار الصالحين مثل واصل بن عطاء، فقيه المعتزلة وإمامهم، وعمرو بن عبيد، الزاهد الورع، الذي وصفه الخليفة المنصور بقوله الشهير (كلكم يطلب صيد. غير عمرو بن عبيد)، كانا أجرأ منا حين أطلقا لعقولهم العنان، وهما من هما، تديناً وفقهاً وعلماً، فأنكرا فعل الفريقين في أصحاب الجمل، وأصحاب صفين، وذكرا أنه"لا تجوز قبول شهادة علي وطلحة والزبير على باقة بقل (كل نبات اخضرت له الأرض)"، وأوضح من قول واصل وعمرو، قول عبد الله بن عباس لعبد الله بن الزبير (لو كان جيش الإمام على حق فقد كفر الزبير بقتاله، ولو كان جيش عائشة على حق فقد كفر الزبير بتخليه عنه).
وهي أقوال لا نفحصها ولا نمحصها، وإنما نذكرها متأملين، مقارنين عصراً بعصر، ومناخاً بمناخ، وفكراً بفكر، وحسبنا أننا لا نتجاوز الاجتهاد في تفسير الوقائع، بينما اجتهد عمر بن الخطاب فيما هو أجـّل وأعظم، مخالفاً ما نعرفه ونلتزم به من أنه لا اجتهاد في النص، أو لا اجتهاد مع وجود نص، ولم يكن اجتهاده قاصراً على التفسير أو التعديل، بل امتد إلى التعطيل والمخالفة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة اجتهاده، ولعلنا لا نعرف نظيراً لعمر كرجل دين ورجل دولة على مدى التاريخ الإسلامي كله، فهو القاسي على نفسه في الحق، ومن هنا قبلت الرعية قسوته، ثقة منها أنه على حق، وهو الزاهد في الدنيا زهداً لم يعرفه حاكم قبله أو بعده ومن هنا قبل الجميع أن يحاسبهم، وأن يتحرى عن كسبهم، وأن يأخذ منهم ما يفيض عن حاجتهم، وأن يعنف عليهم أشد العنف، إن رأي فيهم أهون الميل للهوى، أو الهوى للميل، وهو الذي يخطئ فيتعلم من الخطأ ولا تأخذه العزة بالإثم.
فها هو يولى عمار بن ياسر على الكوفة، ثم لا يلبث أن يتبين أن صلاح الدين لا يعنى بالضرورة صلاح الدنيا، وأن للحكم ميدانه وللسياسة فرسانها، وليس بالضرورة أن يكونوا رجال الدين وفرسانه، فيعزل عمار، ويولى أمثال المغيرة بن شعبة ويزيد بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي سفيان، ويرفض أن يولى أباذر معلناً أمامه أن به ضعفاً، وأن الضعيف لا يولى مهما ارتفع في سلم العقيدة درجات، فهذه ساحة وتلك ساحة، إن اجتمعتا – ونادراً ما تجتمعان – فهو الكمال، وإن افترقتا – وغالباً ما تفترقان – فلكل ساحة رجالها، ولكل ميدان فرسانه، فرجال السياسة أجدر بالحكم، ورجال الدين أحفظ للعقيدة، غير أن أعظم ما تركه عمر لنا، هو ذاته أكثر ما تجنبه اللاحقون، وما ارتعدوا عند ذكره، ناهيك عن الإقدام عليه، ونقصد به الاجتهاد، ذلك الذي بدأنا حديث عمر بذكره وما تميز عمر فيه عن الجميع، حين اجتهد -كما ذكرنا – مع وجود النص القرآني، وبالمخالفة له، وقدم في تبرير ذلك حجة رائعة، ما أجدر المنغلقين في زماننا أن يقفوا أمامها بالتأمل طويلاً، وما أجدرنا بأن نذكرها لهم تفصيلاً، عسى أن تتسع لها قلوبهم، ويتعلموا منها أن العقل قد يسبق النقل، وأن التفكير لا بد وأن يسبق التكفير، ولعلنا نسائلهم مداعبين قبل أن نعرض عليهم ما نعرض، ما حكمكم إذا ذكرنا لكم دون تخصيص أو تفصيل أن حاكماً مسلماً، لدولة مسلمة، قد أفتى بمخالفة نص قرآني مع علمه به، وطبق قاعدة مختلفة معه ومخالفة له، وأفتى بجواز مخالفة النص ذاكراً أن واقع الحياة قد تجاوزه، وأن المنطق لم يعد يستقيم معه، ولعلنا متصورون، بل ومتأكدون من الإجابة، ولعلنا أيضاً هاتفون بهم حنانيكم، تمهلوا قليلاً، وتحسبوا كثيراً، فنحن نتحدث عن عمر بن الخطاب، وهاكم النموذج كما يسرده عالم جليل، في كتاب من أهم وأرقى ما كتب في السنوات الأخيرة.
أما العالم فهو الدكتور عبد المنعم النمر وأما الكتاب فعنوانه (الاجتهاد) وأما القاعدة التي نتحدث عنها فهي خاصة بسهم المؤلفة قلوبهم وهاكم ما كتبه الدكتور النمر:
(سهم المؤلفة قلوبهم وهو سهم قد نص عليه القرآن ما كتبه القرآن الكريم في آية توزيع الزكاة"إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم"التوبة / 60
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعطيهم – وهم كفار – أو ليسوا على إسلام صحيح صادق بل متأرجحين، ليتألف بالعطاء قلوبهم – وطالما استعبد الإنسان إحسان – فيكفوا عن المسلمين شرهم، وليكسب ودهم أو لسانهم، وربما حبهم وإسلامهم، يروى سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية قال:"أعطاني رسول الله وإنه لأبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتى أنه لأحب الخلق إلى".
وسار أبو بكر رضى الله عنه في خلافته على ما سار عليه الرسول، حتى جاءه عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، فسألا أبا بكر: يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضاً سبخه ليس فيها كلأ، ولا منفعة، فإن رأيت أن تعطيناها؟ فأقطعهما أبو بكر إياها، على أنهما من المؤلفة قلوبهم، وكتب لهما كتاباً بذلك، وأشهد عليه، ولم يكن عمر حاضراً، فذهب إلى عمر ليشهد، فعارض عمر ذلك بشدة، ومحا الكتابة.. فتذمرا وقالا مقالة سيئة، قال لهما:"إن رسول الله كان يتألفكما، والإسلام يومئذ قليل، وإن الله قد أغنى الإسلام. اذهبا فاجهدا جهدكم لا يرعى الله عليكما إن رعيتما".
والشاهد هنا، أن عمر أوقف حكماً كان مستقراً في أيام الرسول، وجزء من خلافة أبي بكر، بناء على اجتهاد له، في سبب إعطاء هؤلاء حيث اعتبر أن السبب الآن غير قائم، فلا داعي للإعطاء، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، كما عرفنا فعمر رضى الله عنه، لم يقف جامداًً عند حدود النص وظاهره ولا حدود الفعل، بل غاص إلى سببه وعلته، وحكم اجتهاداً منه في فهم الحكم، على ضوء ظروف الإسلام، حين صار قوياً في غير حاجة إلى تأليف قلوب هؤلاء..
كلام منطقي، وواضح، وصريح، يترتب عليه سؤال منطقي، وواضح، وصريح أيضاً، مضمونه: هل يجوز لنا أن نتأسى بعمر فنعطل نصاً، أو نجتهد مع وجوده، ويصل بنا الاجتهاد إلى مخالفته، إذا انعدمت علته أو تغيرت أسبابه؟
سؤال صعب، وإجابته خطيرة، وتداعيات إجابته أخطر، ليس على الإسلام، بل على قلوب عليها أقفالها، وعقول تعرف الضبة وتنكر المفتاح، غير أنا نلمح في أذهانهم طوق نجاة، قد يتشبثون به، وهو قولهم بأن ذلك قد يجوز، إن تشابهت الحالة أو تماثلت مع ما سبق دون أن ينصرف ذلك إلى قواعد الدين وتعاليمه الواضحة، مثل الحدود الثابتة بيقين في نصوص القرآن، ولعلنا بهذا القول نتفاءل كثيراًَ، ونتوقع منهم ما لا نعرفه عنهم قياساً على تجربة سابقة لنا معهم، لكن ما ضرنا إن تفاءلنا، وما خسراننا إن أحسنا الظن، وما أجدرنا بأن نسحب منهم طوق النجاة، وأن نحيلهم في ردنا عليهم إلى مثال آخر لاجتهاد عمر، عطل فيه حداً من الحدود الثابتة، وهو حد السرقة، إذا كان السارق محتاجاً، ثم أوقف تنفيذه في عام المجاعة، وجدير بنا قبل عرض هذا الاجتهاد، أن نرد على بعض من ادعوا التفقه، وأزعجهم اجتهاد عمر، فأفتوا بما يخالف الحقيقة، ظناً منهم أن أحداً لا يقرأ، أو أن الغاية تبرر الوسيلة.
ومثال ذلك ما ذكره الأستاذ الحمزة دعبس في حواره مع وزير مغربي، وهو حوار منشور في جريدة النور، التي يرأس الأستاذ الحمزة تحريرها، حين سأل الحمزة الوزير، محاولاً إحراجه، عن سبب عدم تطبيق الحدود الشرعية في المغرب، فكان رد الوزير أن تعطيل الحد اجتهاد، وأن لذلك سابقة تتمثل في تعطيل عمر لحد السرقة في عام المجاعة، فرد عليه الأستاذ الحمزة على الفور، بلغة الواثق من علمه،"إن عمر لم يطبق حد السرقة، لأن المبلغ المسروق كان أقل من النصاب"، والحقيقة أن الواقعة التي عطل فيها عمر الحد، والتي وردت في"الموطأ"للإمام مالك، كانت تتعلق بسرقة ناقة، وهي ما يفوق النصاب كثيراً، بل ما يتناوله البسطاء في أحاديثهم عندما يتندرون فيقولون: إن سرقت فاسرق جملاً، دلالة على ضخامة حجم السرقة وجسامته.
والمثال الثاني ما يتردد كثيراً على ألسنة بعض الفقهاء، وفي مقالات بعض الكتاب ممن يسمون أنفسهم بالإسلاميين من أن عمر لم يعطل الحد، بل أقام شروطه، لأن من هذه الشروط توفير الحد الأدنى للمعيشة والمعاش، وردنا على ذلك يسير، ورأينا فيه أنه مغالطة واضحة، لأن جميع ما توافر أمام عمر وقت أن أجتهد، لم يكن يزيد عن أمرين:
* أولهما: نص قرآني صريح واضح قاطع بقطع اليد في السرقة دون ذكر لأية شروط.
* وثانيهما: سنة قولية وفعلية نقلتها لنا كتب الأحاديث الصحاح وراجعناها جميعاً فلم نجد إلا اختلافاً حول تحديد النصاب أي الحد الأدنى لقيمة ما يسرق، فتقطع اليد في مقابله، ولعلنا نضيف إلى علمهم تصحيحاً، وإلى معلوماتهم تصحيفاً، فنذكر لهم أن ما اختلط في أذهانهم، هو الشروط التي ذكرها الفقهاء بعد عمر بحوالي قرن أو قرنين، وهي شروط عديدة تمثل اجتهاداً منهم لمسايرة ما واجهوه من ظروف الحياة وهي متغيرة، بنصوص الشريعة وهي ثابتة، وكل ذلك أتى بعد عمر بكثير ولم يكن عمر في اجتهاده مقتفياً أثر الشافعي أو أبى حنيفة، وإنما كان العكس هو الصحيح، وكان اجتهاد عمر في هذه الواقعة هو الذي فتح باب الاجتهاد لهم، وهو الذي قنن لهم شرطاً فأضافوا شروطاً، ولنقرأ معاً ما أورده الدكتور النمر في كتابه (الاجتهاد) بشأن هذا الاجتهاد من عمر:
(عدم إقامة الحد على السارق: وهذا اجتهاداً جديد في إقامة الحد، اجتهد عمر في ألا يقيمه بعد ثبوت السرقة على السارقين.. ووجوب الحد عليهم، في الحضر لا في السفر، ولا في الغزو.
فقد روى مالك في الموطأ، أن رقيقا لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فانتحروها، فأمر عمر بقطع أيديهم، ثم أوقف القطع، وفكر في أن يعرف السبب الذي من أجله سرق هؤلاء فلعلهم جياع، وجاء حاطب فقال له عمر، إنكم تستعملونهم، وتجيعونهم والله لأغرمنك غرامة توجعك، وفرض عليه ضعف ثمنها، وأعفى السارقين من القطع لحاجتهم..
ولم يقف عمر بهذا عند ظاهر النص جامداً، بل غاص إلى ما وراءه، ووجد أنه لا يقام حين يكون السارق في حاجة تلجئه إلى السرقة، كما قال لحاطب:"لولا أنكم تستعملونهم و تجيعونهم، حتى لو وجدوا ما حرم الله لأكلوه، لقطعتهم".
وعمر بهذا وضع أساساً لعدم تطبيق الحد على المحتاجين الذين تحدث عنهم، وهي وجهة نظر جديدة في تطبيق الآية:
"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا، نكالاً من الله.."
المائدة / 38
راعى فيها عمر علة القطع وظروفه، ودار مع العلة، وإن أدى ذلك إلى تخصيص النص أو ترك ظاهره – كما قال المرحوم الدكتور محمد يوسف موسى، وهذه النظرة هي التي حملته على إيقاف حد السرقة أيضاً عام المجاعة، كما حملته على إيقاف الحدود في السفر مثل ما فعل حذيفة أيضا فأوقف الحد على شارب الخمر، وقال:"تحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطعمون فيكم؟".
وقد أصدر عمر أمره إلى قواده ألا يجلدوا أحداً حتى يطلعوا من الدرب راجعين، وكره أن تحمل المحدود حمية الشيطان على اللحوق بالكفار، وهو لم يوقف الحد وإنما أجله لظروف، حتى تزول هذه الظروف، وهذه كلها اجتهادات لأحكام جديدة، لم تكن قبل ذلك.. وفيها ظاهرة مخالفة لما كان في أيام الرسول وأبي بكر).

وهكذا يتضح لنا أن عمر قد اجتهد فألغى سهم المؤلفة قلوبهم مخالفة للنص القرآني، وأوقف حد السرقة على المحتاج، ثم عطله في عام المجاعة، وعطل التعزير بالجلد في شرب الخمر في الحروب، ونضيف إلى ذلك أنه خالف السنة في تقسيم الغنائم فلم يوزع الأرض الخصبة على الفاتحين، وقتل الجماعة بالواحد مخالفاً قاعدة المساواة في القصاص، ولا نملك ونحن نستعرض ما فعل، في ضوء الملابسات المحيطة بكل حادثة، إلا أن نكتشف حقيقتين هامتين:
أولاهما أنه استخدم عقله في التحليل والتعليل، ولم يقف عند ظاهر النص.
وثانيهما أنه طبق روح الإسلام وجوهره مدركاً أن العدل غاية النص، وأن مخالفة النص من أجل العدل، أصح في ميزان الإسلام الصحيح من مجافاة العدل بالتزام النص، وهذه الروح العظيمة في التطبيق، تخالف أشد المخالفة روح القسوة فيمن نراهم ونسمع عنهم، وتتـناقض مع منهجهم المتزمت، وتوقفهم أمام ظاهر النص لا جوهره، ونكاد نجزم أنهم لو عاشوا في زمن عمر، لاتهموه بالمخالفة لمعلوم من الدين بالضرورة، ولقاعدة شرعية لا لبس فيها ولا غموض، ولحد من حدود الله لا شبهة في وجوب إقامته ولرفعوا عقيرتهم في مواجهته بالآيات التي لا يملون تكرارها (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)، دون توقف أمام أسباب التنزيل، أو حكمة النص أو العقوبة، ولعلهم يدركون أن التأسي بعمر وارد، وأن الباب الذي فتحه باجتهاده يتسع لكثير مما نراه ونقبله، ويرونه فينكرونه، ويسمح لنا بأن نوجه إليهم سؤالاً محدداً وواضحاً:
هل تعطيل إقامة الحد جائز، وهل مخالفة النص القرآني جائزة، وهل مخالفة السنة الثابتة، قولية كانت أم فعلية جائزة؟
ولعلهم أمام ثلاث إجابات لا رابع لها:
- أولها: أن الحكم بالجواز على إطلاقه لا يجوز ونحن نوافقهم على ذلك.
- وثانيها: أن الحكم بإنكار الجواز على إطلاقه لا يجوز و نحن نسلم معهم بذلك، وحجتنا عليه اجتهاد عمر.
- وثالثها: أن الحكم بالجواز جائز في بعض الحالات، وللضرورة، ولأسباب منطقية وواضحة، تتسق مع روح النص وعلته..
وفي هذا مساحة واسعة لنقاش طويل، وأخذ ورد، وحجة وحجة، واجتهاد واجتهاد، دون رمى لقفاز التكفير في الوجوه، ودون ادعاء باطل بأنهم المسلمون، وأننا الكافرون الظالمون الفاسقون، وأن ما في مخيلتهم وحدهم هو الإسلام، وأن ما في حياتنا كله هو الجاهلية بعينها، غاية ما في الأمر أنها جاهلية معاصرة إلى غير ذلك مما يرونه حقاً ونراه باطلاً، ويرونه علماً بالفقه ونراه جهلاً بالفقه وبالتاريخ، ويرونه إيماناً ونراه تعصباً مقيتاً.
ولعلنا لا نتجاوز سيرة عمر، دون أن نتوقف أمام قرار خطير وجليل، ربما مر على البعض دون أن يعيروه التفاتاً، بينما هو في رأينا مفتاح لتفسير ما بدأنا به الحديث، وهو الفتنة الكبرى التي حدثت في عهد عثمان، وانتهت بمصرعه، واستمرت طوال عهد علي وانتهت بمصرعه أيضاً.
لقد ألزم عمر كبار الصحابة بالبقاء في المدينة، وحظر عليهم مغادرتها إلا بإذنه، وفسر ذلك لهم في رفق بأنه يحب أن يستأنس بهم، ويهتدي بمشورتهم، بينما حقيقة الأمر أنه خشى أن يفتتن الناس بهم، وأن يفتتنوا هم أنفسهم بالناس، وبما يفتن الناس، وأجرى عليهم أرزاقاً محددة ومحدودة، ألزمهم بها، وألزم نفسه بها قبلهم، فقبلوها منه، مثلما قبلوا مجمل سيرته، التي لا تأتي إلا منه، ولعلهم ضاقوا بذلك أشد الضيق، وكرهوه غاية الكره، فهم في النهاية بشر يكرهون أن يمنعوا ما هو متاح للآخرين، لكن ضيقهم من عمر، كان يصطدم بسيرة عمر مع نفسه، ومع أهله وخاصته، فيستحيل الضيق رضا، والتبرم صمتاً، والكراهية صبراً جميلاً.
ولعلنا في تخيلنا للكراهية أو التبرم أو الضيق لم نتجاوز الحقيقة، ولم نحلق في الخيال، دليلنا على ذلك أن أول ما فعله عثمان غداة ولايته، أن أطلق الصحابة يذهبون حيث شاءوا وزاد على ذلك بأن أجزل لهم العطايا، وذلك أمر يتفق مع طبيعة عثمان وما جبل عليه من لين ورقة وكرم وتسامح، ولم تكن عطايا عثمان هينة أو محدودة، فقد أعطى الزبير ستمائة ألف وأعطى طلحة مائة ألف.
ولعله كان يتألف قلوبهم، لعلمه أن اجتهاداته قد تختلف مع اجتهاداتهم، وأنه مقدم على أمور لن تكون منهم محل قبول، ومن صالحه أن يذهبوا في الآفاق، وأن يكون قبولهم لعطاياه مانعاً لهم من الثورة أو حتى الغضب، حين يعلمون أنه وهب ابنه الحارث مثلها، أو أنه اقطع القطائع الكثيرة في الأمصار لبنى أمية، غير أنهم لم يأبهوا لشيء من هذا في أول الأمر، فقد خرجوا إلى الأمصار، وإذا بالدنيا تقبل عليهم إقبالاً لم يخطر لهم على بال أو خيال، وأقبلوا هم أيضاً على الدنيا.
وحين تقبل الدنيا دون حدود، فلابد أن تـُدبـِر العقيدة ولو بقدر محدود، أما كيف أقبلت هذه، وكيف أدبرت تلك، فتعال معي وتأمل، وتدبر معي:
ثروات خمسة من كبار الصحابة أسماؤهم لوامع بل إن شئت الدقة أسماؤهم اللوامع، فهم جميعاً مبشرون بالجنة وهم من الستة الذين حصر فيهم عمر الخلافة، وأحدهم هو الخليفة المختار، وهم عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف، ننقلها إليك من كتاب موثوق به هو (الطبقات الكبرى لابن سعد).
يقول ابن سعد بسنده:
(كان لعثمان ابن عفان عند خازنه يوم قتل ثلاثون ألف ألف (الألف ألف هي المليون) درهم و خمسمائة ألف درهم وخمسون ومائة ألف دينار (الدرهم عملة فارس والدينار عملة الروم) فانتهبت وذهبت، وترك ألف بعير بالربذة وترك صدقات كان تصدق بها ببر أديس وخيبر ووادي القرى قيمة مائتى ألف دينار).
1. كانت قيمة ما ترك الزبير واحد وخمسين أو اثنين وخمسين ألف ألف. وكان للزبير بمصر خطط وبالإسكندرية خطط وبالكوفة خطط وبالبصرة دور وكانت له غلات تقدم عليه من أعراض المدينة
2. عن عائشة بنت سعد ابن أبي وقاص: مات أبي رحمه الله في قصره بالعتيق على عشرة أميال من المدينة، وترك يوم مات مائتى ألف وخمسين ألف درهم
3. كانت قيمة ما ترك طلحة بن عبيد الله من العقار والأموال وما ترك من الناض ثلاثين ألف درهم، ترك من العين ألفى ألف ومائتى ألف دينار، والباقي عروض
4. ترك عبد الرحمن بن عوف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة بالبقيع ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحاً، وكان فيما ترك ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منه وترك أربع نسوة فأخرجت امرأة من ثمنها بثمانين ألفاً
و قد ذكر المسعودى تقديرات مقاربة لما سبق من ثروات مع اختلاف في التفاصيل، واستند طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى لتقديرات ابن سعد، وذكر ابن كثير أن ثروة الزبير قد بلغت سبعة وخمسين مليونا وأن أموال طلحة بلغت ألف درهم كل يوم.
ولعل القارئ قد تململ كثيرا، وهو يستعرض ضخامة ما تركه كبار الصحابة من ثروات، ولعله انزعج كما انزعجنا لحديث الملايين ولعله أيضاً يتلمس مهرباً بتصور أن الدراهم والدنانير لم تكن ذات قيمة كبيرة في عصرها، لكنى أستأذنه أن يراجع نفسه.
فابن عوف توفى بعد عمر بن الخطاب بثمانى سنوات، والزبير وطلحة توفيا بعد عمر بثلاث عشرة سنة، وأقصى ما يفعله التضخم (بلغة عصرنا الحديث) في تلك الفترة القصيرة، أن يهبط بقيمة النقد إلى النصف مثلاً، ويحكى المسعودى عن عمر أنه:
(حج فانفق في ذهابه ومجيئه إلى المدينة ستة عشر ديناراً فقال لولده عبد الله: لقد أسرفنا في نفقتنا في سفرنا هذا)، وإذا كانت الستة عشر ديناراً قد كفت عمراً وولده، أو كفت عمراً وحده، شهراً كاملاً، فلنا أن نتخيل ما تفعله عشرات الملايين، وما يملكه صاحب الذهب الذي يقصر جهد الرجال عن قطعة (بالفؤوس).
ولنا أن نسوق مثالاً أوضح من المثال السابق، عن سادس الستة الذين رشحهم عمر، ونقصد به علياً، الذي توفى بعد طلحة والزبير بأربعة أعوام ونصف، وبعد ابن عوف بحوالي عشر أعوام، وهاكم ما تركه في رواية المسعودى:
(لم يترك صفراء ولا بيضاء، إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه، أرد أن يشتري بها خادماً لأهله، وقال بعضهم: ترك لأهله مائتين وخمسين درهما ومصحفه وسيفه).
نحن هنا أمام نموذج ونماذج، ومثال وأمثلة، وتركة وتركات، وأمام مؤشر خطير لما حدث للمسلمين، وأمام نذير خطير لما سيحدث لهم، فالدين والدنيا لا يجتمعان معاً إلا بشق الأنفس، وجمع المال على هذا النحو لا يستقيم مع نقاء الإيمان وصفاء السريرة إلا بجهد مجهد وجهيد، وقول الرسول عن ابن عوف أنه يدخل الجنة حبواً يطرق الأذهان في عنف، فغنى عبد الرحمن وثروته يثقلان خطوه إلى الجنة، ولا لوم ولا تثريب على المسلم إن أثرى كما يشاء، وأدى حق الله في ماله كما يحب، لكن ميزان كبار الصحابة ليس كميزان غيرهم، فهم أثقل من غيرهم بالزهد، وأجدر من غيرهم بالخصاصة، وقد عهدناهم حين هاجروا من مكة قبل ذلك بسنوات لا يملكون غير ملابسهم، ويبيتون على الطوى سجداً خاشعين، وكانوا في الميزان أغنى الأغنياء، لكن الزمن قد دار إلى غير عودة، وما ضر المقبل على الثروة أن يقبل على الحكم، فهما وجهان لعملة واحدة هي الدنيا المقبلة، وسوف يأتي على خليفة بعد عثمان، وسوف يكون الخليفة الحق في الزمان الخطأ، وسوف يحدث له ما حدث، لأنه لابد أن يحدث، غاية ما في الأمر أنه كانت هناك جذوة من العقيدة ما زالت مشتعلة، أبقت حكمه قرابة الخمس سنوات، ولم يكن له أن يتساءل مستنكراً: أعصى و يطاع معاوية؟ فالتساؤل على مرارته مجاب عليه: نعم يا أبا الحسن، تعصى لأنك على دين، ويطاع معاوية لأنه على دنيا، فكما تكونوا يول عليكم، وقد كان القوم أقرب إلى معاوية منك، ولم يكن لهم أن يصبروا عليك وأنت تحاول إدارة العجلة إلى الخلف، إلى الزمن السعيد والصحيح، فليس لها أن تدور إلا حيث تريد لها الرعية أن تدور، وإذا كان أصحابك قد أقبلوا على الدنيا هذا الإقبال، أتنكر أنت على الرعية أن تقبل هي الأخرى آخذة منها بنصيب، ساعية إلى من ييسر لها ما ترضاه، ويتألف قلوبها بما أنست إليه، وتألفت معه، وأقبلت عليه، وأدبرت أنت عنه.
هون عليك يا أبا الحسن، فسوف يأتي بعدك بسبعين عاماً من لا يستوعب درسك فيحاول ما حاولت، ويقضى بأسرع مما قضيت، سوف يأتي عمر بن عبد العزيز، ولن يستمر أكثر من سنتين وثلاثة أشهر، وسوف يموت دون الأربعين، مسموماً في أرجح الأقوال مخلياً مكانه ليزيد بن عبد الملك، شاعر المغاني والقيان، عاشق سلامة وجبابة، وأول شهداء العشق والغرام في تاريخ الخلفاء، كما سنروى للقارئ بعد قليل.
وسوف يأتي بعد عمر بن عبد العزيز بقرن ونصف، خليفة عباسي اسمه المهتدى بالله يحاول أن يحتذي حذوه فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويزهد في الدنيا، ويقرب العلماء، ويرفع من منازل الفقهاء، ويتهجد في الليل، ويطيل الصلاة، ويلبس جبة من شعر وسوف يكون مصيره كما ذكر المسعودى: (فـثـقلت وطأته على العامة والخاصة بحمله إياهم على الطريقة الواضحة فاستطالوا خلافته وسئموا أيامه وعملوا الحيلة حتى قتلوه، ولما قبضوا عليه قالوا له أتريد أن تحمل الناس على سيرة عظيمة لم يعرفوها؟ فقال: أريد أن أحملهم على سيرة الرسول وأهل بيته والخلفاء الراشدين، فقيل له: إن الرسول كان مع قوم قد زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وأنت إنما رجالك تركي وخزرى ومغربي وغير ذلك من أنواع الأعاجم لا يعلمون ما يجب عليهم في أمر أخرتهم وإنما غرضهم ما استعجلوه من هذه الدنيا، فكيف تحملهم على ما ذكرت من الواضحة؟).
وقد قتل المهتدى بعد أقل من أحد عشر شهراً من خلافته، واختلف في قتله، فذكر البعض أنه قتل بالخناجر، وشرب القتلة من دمه حتى رووا منه، (ومنهم من رأى أنه عصرت مذاكيره حتى مات، ومنه من رأى أنه جعل بين لوحين عظيمين وشد بالحبال إلى أن مات، وقتل خنقاً؟ كبس عليه بالبسط و الوسائد حتى مات)، لا تحزن يا أبا الحسن ولا تغضب، فزمانك لا شك أعظم من زمن من يليك، وحسبك أن عهدك كان فيصلاً أو معبراً إلى زمان جديد، لا ترتبط فيه الخلافة بالإسلام إلا بالاسم، ولا نتلمس فيها هذه الصلة بين الإسلام والخلافة، إلا كالبرق الخاطف، يومض عامين في عهد عمر بن عبد العزيز، وأحد عشر شهراً في عهد المهتدى وخلا ذلك دنيا وسلطان، وملك وطغيان، وأفانين من الخروج على العقيدة لن تخطر لك على بال، وربما لم تخطر للقارئ على بال ما نقلوه إليه كان ابتساراً للحقيقة، وإهداراً للحقائق، وانتقاصاً من الحق، وإذا كان الشيء يذكر يا أبا الحسن، فدعنا نقص على القراء ما راعك وما سيروعهم، وما أفزعك وما سيفزعهم، وسوف ننقله إليهم موثقاً بالرسائل، تلك التي تداولتها أنت وابن عمك وأقرب الناس إليك، عبد الله بن عباس، حبر الأمة وبحرها، وأحد أكثر من نقلت عنهم أحاديث الرسول، وواليك على البصرة، أعظم الأمصار وأجلها خطراً، ولعلك يا أبا الحسن كنت تتوقع أن تسمع عن عبد الله بن عباس أي شئ إلا ما سمعت، حين أتتك من صاحب بيت المال في البصرة (أبو الأسود الدؤلى) رسالة ينبئك فيها أن (عاملك و ابن عمك قد أكل ما تحت يده بغير علمك).
ولعلك يا أبا الحسن لم تصدق، ولعله لم يكن أمامك إلا أن ترسل لعبد الله بن عباس مستفسراً، متمنياً أم يحصحص الحق فيسفر عن بياض صفحته، وهو خطابك إليه مختصراً: "أما بعد، فقد بلغني عنك أمر، إن كنت فعلته فقد أسخطت ربك، وأخربت أمانتك، وعصيت إمامك، وخنت المسلمين: بلغني أنك جردت الأرض وأكلت ما تحت يديك، فارفع إلى حسابك واعلم أن حساب الله أشد من حساب الناس".
ويأتيك يا أبا الحسن"أما بعد، فإن الذي بلغك باطل، وأنا لما تحت يدي أضبط وأحفظ، فلا تصدق على الأظناء، رحمك الله، والسلام".
رد كأنه إحدى رسائل التلكس في أيامنا الحاضرة، وهو رد لا يغنى من جوع، ولا يسمن من شبع، فعلي قد طلب حساب بيت المال، فلم يظفر من ابن عباس إلا بنفي التهمة وبالسلام، وما عليه إلا أن يعاود الكرة، موضحاً ما يطلبه، مؤكداً عليه، محاولا استثارة النخوة الدينية لديه، ولنقرأ خطاب علي:
"أما بعد، فإنه لا يسعني تركك حتى تعلمني ما أخذت من الجزية، ومن أين أخذته، وفيما وضعت ما أنفقت منه، فاتق الله فيما ائتمنتك عليه واسترعيتك حفظه، فإن المتاع بما أنت رازئ منه قليل، وتبعة ذلك شديدة، والسلام".
لم يعد الأمر اتهاماً ينفيه ابن عباس، بل طلباً واضحاً ومحدداً، ومطلوب من ابن عباس أن يجيبه، وهو أن يكتب له (كشف حساب) يوضح في جانب منه موارده من الجزية، وفي الجانب الآخر أوجه الإنفاق.
والحقيقة أن ابن عباس قد أجاب، وهو في إجابته لم يذكر شيئاً عن موارده وإنفاقه، وإنما تقدم بالخصومة بينه وبين علي خطوة واسعة، ورد عليه اتهاماً باتهام، فعلي يتهمه باغتصاب المال، وهو يتهم علياً بسفك دماء الأمة من أجل الملك والإمارة، وهكذا جريمة بجريمة، بل أن جريمة علي (هكذا قال وهكذا أفتى) أعظم عند الله من جريمته التي لم ينفيها أو يعتذر عنها، ولنقرأ معاً رسالة عبد الله بن عباس إلى علي (أما بعد، فقد فهمت تعظميك على مرزئة ما بلغك أني رزأته أهل هذه البلاد، والله لأن ألقى الله بما في بطن هذه الأرض من عقيانها ولجينها وبطلاع ما على ظهرها، أحب إلى من أن ألقاه وقد سفكت دماء الأمة لأنال بذلك الملك والإمارة. فابعث إلى عملك من أحببت".
استقالة أسبابها غير مقنعة، ضرب علي عند قراءتها كفاً بكف، مردداً:
"وابن عباس لم يشاركنا في سفك هذه الدماء؟"ولو رمى ابن عباس باستقالته تلك واكتفى، لآخذناه على ما جاء فيها، ولبررناها بغضبه من اتهام ظالم وجسيم، أطلق منه نوازع الغضب وانفعالات الثورة، فكتب ما كتب تحت وطأة الغيظ وفي ظل انفعال من يتهم وهو برئ، لكنه فعل بعد كتابة هذا الخطاب ما لم يخطر لعلي على بال، وما لا يخطر للقارئ على بال، وما لا سبيل إلى نجاته من وزره أمام الله، وأمام علي، وأمامنا جميعاً..
لقد جمع ما تبقى من أموال في بيت المال، و قدره نحو ستة ملايين درهم، ودعا إليه من كان في البصرة من أخواله من بنى هلال، وطلب إليهم أن يجيروه حتى يبلغ مأمنه ففعلوا، وحاول أهل البصرة مقاومتهم وناوشوا بنى هلال قليلاً، ثم أقنعوا أنفسهم بترك المال عوضاً عن سفك الدماء، ومضى ابن عباس بالمال، آمناً، محروساً، قريراً، هانئاً، حتى بلغ البيت الحرام في مكة، فاستأمن به، وأوسع على نفسه، واشترى ثلاثة جوار مولدات حور بثلاثة آلاف دينار..

صدمة هائلة، لا لعلي فقط، بل لنا جميعاً، نحن الذين عشنا عمرنا نقرأ عن فقه العباد له، وزهد العباد له، وورع العباد له، (يقصدون عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب)، فإذا بنا نحارفهما، ونمسك ألسنتنا غصباً أمام أشهر العباد له، ونخشى أن نصف فعله بما يستحق فلا ننجو من الألسنة الحداد ومما هو أكثر، لكنا يجب أن لا نكون أرفق ببعض الصحابة من أنفسهم، ولا أقل من أن نصفهم بما وصف بعضهم به بعضاً، وحسبنا أن علياً أوجز رأيه في ابن عباس بأنه (يأكل حراماً ويشرب حراماً) وليس لنا إلا أن نقول مع علي:
صدقت إن صدق ما قلت وحدث ما فعل، بل أننا نتساءل ومعنا كل الحق، هل الاستيلاء على أموال المسلمين بالباطل حلال على مسلم لكونه عاصر الرسول أو الخلفاء أو الصحابة، حرام علينا لأننا جئنا في عصر بعد العصر، وعاصرنا زماناً غير الزمان؟، هي حرام عليهم بقدر ما هي حرام علينا، بل هي حرام عليهم أكثر، لأنهم يعرفون من الدين أكثر، ومتفقهون فيه أكثر، ولأنهم الأئمة والمنارة، فإذا فسد الأئمة فمن أين يأتي الصلاح؟، وإذا أظلمت المنارة فبمن نسترشد؟
ولعلي قبل أن أستطرد في الحديث، وللحديث بقية، أتذكر أن أحد أعضاء تنظيم الجهاد، ممن اغتالوا الرئيس السادات في المنصة، كان مشهوراً عنه أنه يكحل عينيه، وعندما سئل، قال تأسياً بابن عباس، ولعله لو قرأ ما قرأناه عنه ما تأسى به وما أكتحل مثله، واقرأوا معي رسالة علي لابن عباس، بعد أن استقر في مكة، هانئاً بين جواريه، قانعاً بأموال المسلمين
(أما بعد، فأني كنت أشركتك في أمانتي، ولم يكن في أهل بيتي رجل أوثق منك في نفسي لمواساتي ومؤازرتي وأداء الأمانة إليّ. فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، والعدو عليه قد حرب، وأمانة الناس قد خربت، وهذه الأمة قد فتنت، قلبت له ظهر المجن، ففارقته مع القوم المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان الخاذلين، وخنته مع الخائنين، فلا ابن عمك آسيت، ولا الأمانة أديت، كأنك لم تكن لله تريد بجهادك، أو كأنك لم تكن على بينة من ربك، وكأنك إنما كنت تكيد أمة محمد عن دنياهم أو تطلب غرتهم عن فيئهم، فلما أمكنتك الغرة أسرعت العدوة، وغلطت الوثبة، وانتهزت الفرصة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم اختطاف الذئب الأزل دامية المعزي الهزيلة وظالعها الكبير، فحملت أموالهم إلى الحجاز رحيب الصدر، تحملها غير متأثم من أخذها، كأنك لا أباً لغيرك، إنما حزت لأهلك تراثك عن أبيك وأمك، سبحان الله !
أفما تؤمن بالمعاد ولا تخاف سوء الحساب؟ أما تعلم أنك تأكل حراماً وتشرب حراماً؟ أو ما يعظم عليك وعندك أنك تستثمن الإماء وتنكح النساء بأموال اليتامى والأرامل والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم البلاد؟ فاتق الله، وأد أموال القوم فإنك والله إلا تفعل ذلك ثم أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك حتى آخذ الحق وأرده، وأقمع الظالم، وأنصف المظلوم، والسلام).
خطاب يقطر دماً، ولو استقبله ابن عباس بقلب فيه ذرة من إيمان لخشع وتاب، ورجع عن فعله وأناب، لكنه يرد مستخفاً في سطرين لا أكثر فيقول (أما بعد، بلغني كتابك تعظم على إصابة المال الذي أصبته من مال البصرة، ولعمري إن حقي في بيت المال لأعظم مما أخذت منه والسلام).
هذه المرة يأتي الرد سافراً، نعم أخذت، لكنه حقي، بل إن حقي فيه أكثر، أي حق؟ وبأي حق؟ وهل لعبد الله بن عباس في بيت مال المسلمين حق أكثر مما لرجل من المسلمين؟
هذا ما تساءل به علي في رده على هذا الخطاب، وهو رد بليغ وحزين لا أريد أن أشغل به القارئ فأزيده حزناً فوق حزن، لكني أنتقل به فجأة إلى رد (برقى) آخر من ردود ابن عباس، حسم به النقاش، وأنهى به الجولة، وختم به حديث الدين والعقيدة، مهدداً بسطوة الدنيا وسيفها، وسلطانها وزيفها، قائلاً لابن عمه علي:
"لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملن هذا المال إلى معاوية يقاتلك به".
وهكذا أصبحت الموعظة الحسنة أساطير لدى عبد الله بن عباس، وأصبحنا نحن في حيص بيص كما يقولون، نضرب كفا بكف، ونتساءل في مرارة، هل نأتمن على ديننا من لم يؤتمن على دنيانا؟.
لا بأس أن نترك علياً لأحزانه، وهو يرى (كما يقول) أن أمانة الناس قد خربت، والأمة قد فتنت، وابن عمه قد انقلب عليه، وفضل رغد العيش من مال المسلمين في مكة، على نضال العقيدة من أجل الإسلام في الكوفة ولن يمر وقت طويل حتى يقتل علي،، وحتى نرى عبد الله بن عباس، ضيفاً على معاوية في مقر خلافته في دمشق، مستقبلاً بالتوقير والملاطفة والعطايا، غير أن العلة لم تكن فقط في نكوص رموز العقيدة عن حمل أعبائها، بل كانت هناك علل أخرى قد تسللت إلى بنيان الدولة الإسلامية الوليدة فأجهزت عليه وهنا نترك حديث العقيدة ورموزها إلى حديث الدنيا وسياستها، ونشير إلى أن أي حكم في التاريخ لا بد له مهابة، وأن هيبة الحكم محصلة للتفاعل بين الحاكم والمحكوم، وهي في النهاية ضرورة ليس لصلاح الحكم، فهذا أمر آخر، بل لتوطيد دعائمه، واستمراره واستقراره، ولا شك في أن أبا بكر بحروب الردة قد حفظ هذه الهيبة بل ورسخها في نفوس المحكومين، ولا شك في أن عمر بعنفه وعدله معاً قد وصل بهذه الهيبة إلى أقصى الدرجات.
ولا شك أيضاً في أن عثمان قد هبط بها رويداً رويداً حتى تلاشت أو كادت، فهو مرة يصدر قراراً خاطئاً، ثم لا يلبث أن يقف على المنبر لكي يعتذر ويبكي (حتى يبكي الجميع)، ثم لا يلبث أن يعود عن اعتذاره إلى عنف لا يملك مقوماته، وهو في تأرجحه بين العنف واللين، وتراوحه بين القرار وعكسه، يفقد الحكم هيبته لدى الرعية شيئاً فشيئاً، حتى يصل الأمر إلى خطف السيف من يده وكسره نصفين، وإلى قذفه بالحجارة وهو على المنبر حتى يغشى عليه، وإلى محاصرته ومنع المياه عنه، بل أن يرسل إليه الأشترالنخعى خطاباً يفتتحه بالعبارة التالية:
"من مالك بن الحارث إلى الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد عن سنة نبيه النابذ لحكم القرآن وراء ظهره"
ولعلى أجزم بأنه لم يكن هناك سبيل لعودة هذه الهيبة إلا برجل دنيا وسياسة وحكم من شاكلة معاوية، رجل لا يتحرج أن يقتل حُجر بن عدى، على إيمانه وعدله وزهده، حين يعبر حجر الخيط الرفيع بين معارضة الحكم ومحاربته، وبين الاعتراض على الحاكم، والثورة عليه، لأن القضية في نظره حكم أو لا حكم، وسلطة أو لا سلطة، وهيبة أو لا هيبة.
ولعل هذا المنطق هو ما حفظ جيش (معاوية) من الانقسام، بينما سلك (علي) طريق الدين، فحاور المنشقين، وكلما أتوا بحجة أتى بحجة، وإذا ذكروا آية أفحمهم بآية، وإذا استشهدوا بحديث رد عليهم بحديث، وكلما طال النقاش زادت الفرقة واتسع الانقسام، ولم يعد هناك بد من أن يرفع عليهم السيف و أن يرفعوا عليه السيف، و في النهاية صرعته سيوفهم، لأنه هكذا ينتهي التطرف بالمتحاورين معه، وهكذا يحسم الحوار (الديني – الديني) دائماً، يحسمه الأكثر تطرفا لصالحه، عادة يحسم معه أشياء كثيرة، منها مبدأ الحوار ذاته، وحياة المحاور ذاتها، وإذا كنا نرى في أيامنا من المتطرفين عجباً، فلأنهم رأوا منا عجباً، تحسسوا هيبة الدولة فلم يجدوا هيبة ولا دولة، عجموا عود النظام في الهين من الأمر فوجدوه مرناً مثل (اللادن)، زادوا فوجدوه قد ازداد ليناً، تمادوا فإذا به ينثني معهم أينما انثنوا، عاجلوه بالجليل من الأمر فعاجلهم بضبط النفس، انتظروا اللوم من قيادات الفكر السياسي ورموز المعارضة فلم يجدوا إلا من يشيد أو يستزيد، ومن يصف مجرميهم بالشهداء، أو ينعت فأسديهم بالشرفاء، ولو طبقت عليهم الشريعة التي ينادون بها لعوملوا معاملة المفسدين في الأرض، ولقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، ولصلبوا في ميادين القاهرة والإسكندرية.
ما علينا ولنعد إلى صفحات التاريخ، فقد توقفنا عند عثمان وعلي وذكرنا أن الخلافة الإسلامية قد انتهت علاقتها بالإسلام بعدهما، ولم تكن لها بالإسلام صلة إلا في ومضات خاطفة تمثلت في عهد عمر بن عبد العزيز أو المهتدى، ولعلها بدأت هذا المسار كما أشرنا في بداية عهد عثمان، وإذا كنا ننزع صفة الإسلام عن الخلافة فيما ذلك من عهود فإن لنا في ذلك حجة سوف نسردها في موقعها من السرد، والصحيح في رأينا أنها كانت خلافة عربية، إن جاز التعميم وهو جائز، والأدق أن نقول أنها قرشية إن شئنا الدقة في اللفظ وهو دقيق، فقد حكمت قبيلة قريش المسلمين أكثر من تسعمائة سنة)، بينما حكم الإسلام ربع قرن أو أقل، فالخلفاء الراشدون قرشيون، والأمويون قرشيون والعباسيون قرشيون، وقد استمرت الدولة العباسية بصورة رسمية ثم بصورة شكلية بعد سقوط بغداد حتى سقوك دولة المماليك في أيدي العثمانيين عام 918 هـ، وأكاد أجزم بان قبيلة قريش بذلك تمثل أطول أسرة حاكمة في تاريخ الإنسانية كلها، بل إن التاريخ لا يحدثنا عن أسرة واحدة حكمت نصف هذه الفترة، ولو كان الأمر أمر رضا من المسلمين، أو اختيار منهم لهان علينا وما توقفنا عنده، لكننا نتوقف عنده طويلاً، ونتأمله كثيراً لكونه ارتبط بأعز ما نملك وهو العقيدة، وتستر بأقدس رداء وهو الدين، واستند إلى أحاديث نبوية ننكرها على من ادعوها، لأنها لا تمت لروح الإسلام بصلة.
وحسبك ذلك الحديث الذي استند إليه العباسيون حتى استمر حكمهم قرابة سبعمائة وستة وثمانين عاماً، ومضمونه أن الخلافة إذا انتقلت إلى أيدي أولاد العباس، ظلت في أيديهم حتى يسلموها إلى المهدى أو عيسى بن مريم، وهو حديث كاذب، ومختلقة كذوب، وأنا وأنت أيها القارئ لا نختلف الآن على كذب الحديث ولا تكذيب قائلة، حجتنا في ذلك أنه ببساطة لم يتحقق، لكن هذه الحجة لم تكن متاحة لأجدادنا، وما كان لهم إلا أن يخضعوا صاغرين للحديث، وإلا اتهمهم فقهاء العصر، شأنهم شأن بعض الفقهاء الذين يظهرون في كل عصر، بنقص في دينهم، والتواء في عقيدتهم، وحسبنا أن مراجع الحديث ومنها الصحيحان وابن حنبل والدرامى وأبو داود تجمع على حديث يأتي حديث لو اجتمع عليه أهل الأرض لعارضناه، فالإسلام السمح، الذي أتى ليساوى بين العربي والأعجمي، لا يميز أسرة من الأسر عن غيرها بدم أزرق، لمجرد أنها قريش، وها هو عمر يعلن قبيل وفاته (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لوليته)، وما كان سالم قرشياً، وما كان عمر بالذي يجهل حديثاً له هذا القدر من الأهمية، وها هو سعد بن عبادة (الخزرجى) ينافس أبا بكر على الخلافة، ويرفض بيعته حتى وفاته، ولو علم سعد بالحديث ما نافس ولا أنكر ولا رفض ولا أصر، لكنه هكذا كان الأمر.
وهكذا خضع أجدادنا لحكم الخلفاء، الفضلاء منهم (و ما أندرهم) والسفهاء منهم (وما أكثرهم)، خوفاً من اتهامهم بالخروج على الطاعة، أو المخالفة للجماعة، ويا حسرة على إسلام عظيم أتي ليساوي بين الناس، فأحاله البعض بالكذب، إلى دين يرسخ التفرقة العنصرية، ويرفع البعض فوق البعض بالنسب، ولعل المنادين بالخلافة في عصرنا الحديث، يدلوننا على سبيل نتحقق به من أنسابنا، فربما كنا قرشيين دون أن ندري، فنزايد في السياسة مع المزايدين، ونطمع في الحكم مع الطامعين ونكره المنطق مع الكارهين.
وأخيراً ونحن نتجاوز عهد الراشدين إلى غيرهم، يجدر بنا أن نستخلص نتيجتين:
النتيجة الأولى:
أن من يتصورون أنه من الممكن إعادة طبع نسخة كربونية من عصر الراشدين، في عصرنا الحديث، إنما يركبون شططاً من الأمر، وقد يصلون بأنفسهم وبنا نتائج مؤسفة، فليس كل ما كان مقبولاً في عهد الصحابة مقبولاً وصحيحاً في عصر غير العصر، ومع قوم غير القوم، وحتى في أفعال الرسول نفسه، هناك مساحة واسعة لتأسيه بعصره، ومعايشته لتقاليد قومه، كالزي والعلاج، وهي مساحة لسنا مطالبين بالأخذ بها أو اعتبارها سنة واجبة الإتباع والنفاذ، فالرسول لم يأت بزي جديد، وإنما ارتدى زي الجاهلية، وزي الأعاجم عندما أهدي إليه، وعليه فليس الزي النبوي وارد اكسنة للتأسي والمتابعة، وما يقال عن الزي يقال عن الطب، ويقال عن كثير من المفاهيم التي سادت في عصرنا الحديث، وتقبلها الناس قبولاً حسناً، وهي أقرب ما تكون إلى الروح العامة للإسلام إذا ما فهمناها بمنطق مخالف للمنطق (الكربوني) سالف الذكر، الذي لو اتبعناه لوصل بنا نتائج أقل ما توصف به أنها مؤسفة، بل وربما جاز وصفها بما أكثر..
ولنأخذ مثالاً.. التعذيب..
لن يختلف اثنان على القول بأن التعذيب بالإيذاء البدني أو النفسي للحصول على اعتراف أو قبل تنفيذ حكم أو خلال تنفيذ حكم أمر ينكره الدين، ويتنافى مع جوهره في العدل والرحمة.
هذا هو التفسير العصري، أي الذي يأخذ روح العصر فيطابقها على روح الدين وجوهره أو يفعل العكس وهو في الحالتين مقنع ومقبول وصحيح، فماذا عن التفسير الكربوني؟
إليكم واقعتين شهيرتين:
الواقعةالأولى: في حادثة الإفك المعروفة،، حين اتهم البعض عائشة فدعا الرسول عليا لاستشارته (فقال يا رسول الله إن النساء لكثير وأنك لقادر على أن تستحلف وسل الجارية فإنها تصدقك فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم (بريرة) يسألها فالت فقام إليها (علي) فضربها ضرباً شديداً وهو يقول اصدقي رسول الله فتقول والله ما أعلم إلا خيرا..)
هنا إيذاء بدني من علي للجارية بقصد الحصول منها على اعتراف ولم ينكر الرسول شيئاً مما فعله علي، والتفسير (الكربوني) هنا يصل بنا إلى أنه من (السنة) أن يعذب المتهم للحصول على اعترافه ويصبح ما يثار حول تعذيب أعضاء الجماعات الإسلامية في السجون أمراً مشروعاً، وشرعياً، بل ومحمودا لأنه تأس بالسلف الصالح..
بينما وجهة النظر المقابلة، المتسعة الأفق الملتصقة بروح العقيدة، تستـنكر التعذيب، وترى أن هذا حتى لو كان أمراً مقبولاً في عصر الرسول، لا ينسحب على غيره من العصور، وإذا كانت الحضارة قد أضافت فيما أضافت، مفهوماً واسعاً لحقوق الإنسان، يرفض فيما يرفض أن يعذب متهم للحصول على اعتراف، فإننا نقبل هذا المفهوم من منطلق إسلامي، ولا نرفضه لمجرد التأسي بعصر أياً كان هذا العصر، لسببين بسيطين واضحين: أولهما أننا في عصر غير العصر وثانيهما أن الإسلام لا يتنافى مع روح العصر، أي عصر، في كل ما هو إنساني وسمح وعادل.
الواقعة الثانية:
بعد وفاة الإمام على بن أبي طالب بطعنات من عبد الرحمن بن ملجم (دعا عبد الله بن جعفر بابن ملجم، فقطع يديه ورجليه وسمل عينيه فجعل يقول:"إنك يا ابن جعفر لتكحل عيني بملمول مض"أي بمكحال حار محرق"ثم أمر بلسانه أن يخرج ليقطع، فجزع من ذلك، فقل له ابن جعفر: قطعنا يديك ورجليك، وسملنا عينيك، فلم تجزع، فكيف تجزع من قطع لسانك، قال: إني ما جزعت من ذلك خوفاً من الموت، لكني جزعت أن أكون حياً في الدنيا ساعة لا أذكر الله فيها. ثم قطع لسانه، فمات)، والرواية يذكرها ابن سعد مضيفاً إليها حرقة بعد موته ويذكرها ابن كثير دون ترجيح ويقتصر الطبري وابن الأثير على الحرق بعد القتل.
والرواية لا تعبر في رأينا عن روح الإسلام أو تعاليمه، حتى لو اقتصرت على حرق الجثمان بعد القصاص فقد نهى الرسول عن المثلة ولو بالكلب العقور، ونهى (علي) قبل وفاته في رواية لابن الأثير عن المثلة بقاتله، لكنها تعبر من وجهة نظرنا عن روح عصر، سادته القسوة، وتحجر القلب وكان مقبولاً فيه أن يحدث ما فعله عبد الله بن جعفر بابن ملجم، دون استنكار، بل ويكمل المشاهدون المشهد بحرق الجثمان، بينما أضافت الحضارة إلى سلوكنا كثيرا من الإحساس بعذاب الآخرين، وصعوبة تقبل التمثيل بهم أو تعذيبهم، بل إنه من الصعب أن نتصور صمود مجموعة من المشاهدين لمثل ما فعله عبد الله بن جعفر، بكلب ضال أو بقط شارد..
غير أن لكل حقيقة وجهين، وما أيسر أن يجد أنصار (الكربون) تبريراً لفعل عبد الله بن جعفر، وللإقتداء به، بإلصاق تهمة الإفساد في الأرض بابن ملجم، والتأسي بالحسن والحسين، حيث لم يذكر عنهما أنهما أنكرا التمثيل بالجثمان بحرقه بعد القصاص. ولعلنا نتساءل ونحن نتأمل صمود عبد الرحمن بن ملجم، وصبره على قطع أطرافه وسمل عينيه بالحديد المحمى ثم جزعه عند قطع لسانه (حتى لا تمر عليه لحظة لا يذكر فيها الله).. هل هناك مثال أبلغ من هذا المثال، على ما يمكن أن يؤدي إليه التطرف عندما يتسلط على الوجدان فلا يميز المتطرف بين الكفر والإيمان، ويصل به الأمر إلى قتل على ابن أبي طالب، والتلهي عن المثلة به بقراءة القرآن، والجزع فقط عند قطع اللسان، حتى لا يحرم لحظة من ذكر الرحمن؟.
لا جديد إذن تحت الشمس، وقد لا نجد في زماننا نظيراً لعلي، لكننا نجد كثيراً من أمثال عبد الرحمن..
ونعود إلى هواة الكربون..
أليس الأجدر بهم، رحمة بنا، وبالإسلام، أن نلتزم بالقرآن، وبالسنة في شئون العبادة، وأن نترك في نفس الوقت، مساحة من أذهاننا للتعرف على العصر والالتقاء معه، وقبول ما يأتي به من قيم تتناسق مع جوهره، ولا تتناقض مع الإيمان والعقيدة، وأن نقبل ما نقبل، ونترك ما نترك، بقلب مؤمن وفكر مفتوح، فلا نرفض حقوق الإنسان لأنها أتت من الأعاجم، ولا نرفض الديموقراطية لأنها بدعة، ولا نرفض عصرنا على إطلاقه، ولا نقبل عصر الراشدين على إطلاقه، ونستخدم العقل في النقل، والكربون في طبع مستحدثات الحضارة، تلك التي لا علاقة لها بالفكر أو العقيدة، وإنما علاقتها وطيدة بالتقدم، ذلك الذي أزعم أنه ليس ركنا من أركان الإسلام، بل هو الإسلام.
النتيجة الثانية:
أن قواعد الدين ثابتة، وظروف الحياة متغيرة، وفي المقابلة بين الثابت والمتغير، لا بد وأن يحدث جزء من المخالفة، ونقصد بالمخالفة أن يتغير الثابت أو يثبت المتغير، ولأن تثبيت واقع الحياة المتغير مستحيل، فقد كان الأمر ينتهي دائما بتغير الثوابت الدينية، وقد حدث هذا دائماً ومنذ بدء الخلافة الراشدة وحتى انتهت، وتغيير الثوابت هو ما نسميه بالاجتهاد، وقد اتفقنا على أنه ليس مطلقاً، لكنه قائم ومتاح، وما أوردناه من أمثلة لاجتهادات عمر يصلح دليلاً على ما نقول، غير أنه في بعض الأحيان تفرض تعقيدات الحياة نوعاً من المخالفات، الحادة ليس فيه شئ من تناغم الاجتهاد في ربطة بين الأسباب والنتائج، فتصبح المخالفة صريحة وواضحة لا يمكن تبريرها بالاجتهاد لافتقاد أسبابه، وإنما تبرر فقط بأن عدم المخالفة مستحيل أو في احسن الأحوال غير ممكن، وقد حدث ذلك في عهد الراشدين كما يحدث في كل عهد، ومثاله ما حدث عقب مقتل عمر ابن الخطاب، حين انطلق ابنه عبيد الله ابن عمر، و قتل ثلاثة ظن فيهم التآمر على مقتل والده، ولم يثبت ذلك في حق أحد منهم، وكان أحدهم الهرمزان، الذي أسلم وصح إسلامه، وقد واجه عثمان هذا الموقف في بدء ولايته وكان رأي الدين فيه واضحاً، أعلنه علي وأصر عليه، وهو أن يقتل عبيد الله بدم من قتل، لكن عثمان لم يملك إلا المخالفة لأسباب (إنسانية)، فقد تساءل الناس في شفقة، أيقتل عمر بالأمس، ويقتل ابنه اليوم؟ ألا يكفي آل عمر قتل عمر؟، أيفجعون فيه ثم في ولده قبل أن تجف دموعهم عليه؟.. منطق.. وإنسانية.. وظروف متغيرة.. لكن حكم الدين ثابت وواضح ولا لبس فيه.. حكم الدين هو القصاص، ولا بد من قتل عبيد الله..
ويقال أن عمرو بن العاصي أفتى بفتوى بالغة الذكاء والمهارة عندما تولى عثمان، وسأل عمرو أن يخرجه من المأزق الصعب، فسأله عمرو: هل قتل الهرمزان في ولاية عمر؟ فأجابه عثمان: لا كان عمر قد قتل، فسأله ثانية: وهل قتل في ولايتك؟ فأجابه عثمان: لا، لم أكن قد توليت بعد، فقال عمرو: إذن يتولاه الله..
والشاهد هنا أن عثمان حاول التخلص من المأزق بدفع دية الهرمزان من ماله، ولم يتحمل عبيد الله وزر القتل أو حتى دية القتلى، وهو ما رفضه علي، الذي ظل يتوعد عبيد الله كلما لقيه بأنه إذا تولى فسوف يقتله بدم الهرمزان، وما أن تولى علي حتى هرب عبيد الله إلى جيش معاوية، وحارب عليا إلى أن قتل في معركة صفين..
ويشاء القدر أن يقع على نفس المأزق، بل ربما بصورة أعقد، فقد ولى ولم يقدر على قتله عثمان لأنهم كانوا مسيطرين على المدينة، ثم انتقل من حرب إلى حرب وهم على رأس جيشه فلم يتمكن منهم، وعندما أعلن معاوية أن مطلبه الوحيد أن يدفع علي إليه قتله عثمان، فوجئ علي بجيشه يهتف في صوت واحد، كلنا قتلة عثمان، فزاد الموقف تعقيدا، وأصبح مستحيلاً على الإمام علي أن يثأر من القتلة أو حتى يحاسبهم..
هي الحياة وليست الجنة، والبشر وليس الملائكة، وخلا عصر النبوة لا يوجد عصر للنقاء المطلق، أو انعدام المخالفة المطلق وكلما تغير العصر أو تقدم، تعددت المتغيرات، وزادت المخالفات، وإذا كانت الاجتهادات واسعة، والمخالفات واردة، قبل أن يمر ربع قرن على وفاة الرسول، وفي عهد معاصريه فكيف بنا بعد أربعة عشر قرناً من وفاة الرسول، ألا نتوقع أن يزداد حجم (المخالفات الاضطرارية)، وأن نتوسع في (الاجتهادات الضرورية)، وأن نقبل بحد أدنى من تطبيقات الدين، أقل بكثير مما قبله سلف أصلح، في عصر أكثر تخلفاً، وأقل تعقيداً انغلاقاً، وأكثر اتفاقاً.. الحقيقة أن القارئ الحرية كل الحرية في أن يرفض ما أقول وأن يستنكر ما أتوصل إليه، وما أراه رغم كل ما أتوقعه من استنكار واعتراض، حقاً وعدلاً، وأمراً واقعاً لا مهرب منه، وسوف يرى القارئ فيما سنذكره عن خلفاء بن أمية وبنى العباس، ما يؤكد له صحة ما نقول، وحقيقة ما ندعى..

* * * * * * * * * * * * * *

للقارئ الآن وهو ينتقل معنا من عصر الراشدين إلى ما يليه، أن يهيئ ذهنه للدعابة، ووجدانه للأسى، فحديث ما يلي الراشدين كله أسى مغلف بالدعابة، أو دعابة مغلفة بالأسى، أما المجون فأبوابه شتى، وأما الاستبداد فحدث ولا حرج.
ليسمح لنا القارئ في البداية أن نقص عليه ثلاث قصص موجزة، يفصل بينها زمن يسير، واختلاف كثير، وهي إن تنافرت تضافرت، مؤكدة معنى واضحاً، وموضحة مساراً مؤكداً، ومثبتة ما لا يصعب إثباته، وما لا يسهل الهروب منه.
القصة الأولى:
عام 20 هـ وقف عمر خطيباً على منبر الرسول في المدينة، وتحدث عن دور الرعية في صلاح الحاكم وإصلاحه فقاطعه أعرابي قائلاً: والله لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا، فانبسطت أسارير عمر، وتوجه إلى الله حامداً شاكراً، وذكر كلمته المأثورة المشهورة: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر، من يقومه بحد السيف إذا أخطأ …
القصة الثانية:
عام 45هـ قال ابن عون: كان الرجل يقول لمعاوية: والله لتستقيمن بنا يا معاوية، أو لنقومنك فيقول: بماذا؟ فيقول: بالخشب فيقول: إذن نستقيم. (تاريخ الخلفاء للسيوطي ص195)
القصة الثالثة:
عام 75هـ خطب عبد الملك بن مروان، على منبر الرسول في المدينة، بعد قتل عبد الله بن الزبير قائلاً (والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه).
ثم نزل ثلاث قصص موجزة، لكنها بليغة في تعبيرها عن تطور أسلوب الحكم، واختلافه في عهود ثلاثة، أولها عهد عمر بن الخطاب، درة عهود الخلافة الراشدة، وثانيها عهد معاوية ابن أبي سفيان مؤسس الخلافة الأموية، وثالثها عهد عبد الملك ابن مروان، أبرز الخلفاء الأمويين بعد معاوية، وأشهر رموز البيت المرواني، الذي خلف البيت السفياني بعد وفاة معاوية بن يزيد، ثالث الخلفاء الأمويين.
أما القصة الأولى:
فهي نموذج لصدق الحاكم مع الرعية، وصدق الرعية مع الحاكم، ونحن لا نشك ونحن نقرأها في أن الأعرابي كان صادقاً كل الصدق في قوله، وأنه كان يعني تماماً ما يقول، وأنه كان على استعداد بالفعل لرفع السيف في وجه عمر وتقويمه به إن لزم الأمر ونحن لا نشك أيضاً في أن عمر كان يدرك تماماً أن الأعرابي صادق في مقولته، وأنه لهذا سعد، ومن أجل هذا حمد الله، وكان في سعادته وحمده صادقاً كل الصدق، مع الله، ومع نفسه، ومع الأعرابي، وباختصار فنحن أمام حوار تؤدي فيه الكلمات دورها الطبيعي، حيث تعبر عن دخائل النفوس، في دقة، ووضوح، واستقامة.
وأما القصة الثانية :
فهي نموذج رائع لخداع الكلمات حين يصبح للعبارة ظاهر وباطن، وللكلمة مظهر ومخبر، فالرجل في تهديده أقرب للمداعبة، وأميل إلى الرجاء، ومعاوية في رده عليه يحسم الموقف بتساؤله (بماذا)؟ وهو تساؤل يعكس ثقة عالية في النفس، وهي ثقة تهوى فوق رأس الرجل ثقيلة وقاطعة، شأنها شأن السيف الحاسم البتار، وما أسرع ما ينسحب الرجل سريعاً محولاً الأمر كله إلى الدعابة، وهنا يدرك معاوية أن الرجل قد ثاب إلى رشده، فيعيد السيف إلى غمده الحريري، وينسحب هو الآخر في مهارة وخفة، مرضياً غرور الرجل، ما دام الخشب هو السلاح، وما دام القصد هو المزاح، والقارئ للحوار لا يشك في أن الرجل قال شيئاً وقصد شيئا آخر، وأن معاوية قال شيئاً وقصد شيئا آخر، وأن كلا الرجلين فهم قصد الآخر، فكـَّر في الوقت المناسب، وفـَّر في الوقت المناسب وأن الرجل في كـّرِه نحو معاوية، وفي فـّره منه لم يكن أبداً كجلمود صخر وإنما كان مثل كرة القش، ظاهرها متماسك وباطنها هش.
وننتقل إلى القصة الثالثة:
وهي أقرب من القصة الأولى في وضوحها وصراحتها واستقامة ألفاظها، غير أنها هذه المرة تعلن عكس ما أعلنه عمر، وتهدد بالقتل في حسم وصراحة، ليس لمن يخالف الأمير ويعترض عليه، وليس لمن يرفع في وجه السيف أو حتى الخشب، بل لمن يدعوه إلى(تقوى الله) وقد خلد عبد الملك نفسه بذلك، فوصفه الزهري بأنه أول من نهى عن الأمر بالمعروف.
هذه قصص ثلاث توضح كيف تطور الأمر من خلافة الراشدين إلى خلافة معاوية، الرجل المحنك المجرب، الناعم المظهر، الحاسم الجوهر، المؤسس للملك، بكل ما يستوجبه التأسيس من سياسة وحنكة، ومظهر ومخبر، ثم كيف أصبح الأمر عندما استقر الملك، ولم يعد هناك داع للخفاء، أو مقتضى للخداع أو المداهنة، وبمعنى آخر فإن القصص الثلاث تنتقل بنا بين حالات ثلاث، أولها العدل الحاسم، وثانيها الحسم الباسم، وثالثها القهر الغاشم.
وكل ذلك خلال نصف قرن لا أكثر، وقد رأينا أن نوردها في بدء حديثنا عن خلافة الأمويين لدلالتها، حتى يخلد القارئ معنا إلى قدر من الرياضة الذهنية والابتسام، بعيداً عن صرامة السرد ومرارة الحقائق.
ولعل القارئ قد تعجب من اجتراء عبد الملك، لكنا نسأله من الآن فصاعداً أن يوطن نفسه على العجب، وأن يهيئ وجدانه للاندهاش، وأن يحمد لعبد الملك صدقه مع نفسه ومع الناس، فسوف يأتي بعد ذلك خلفاء عباسيون يخرجون على الناس بوجه مؤمن خاشع، وتسيل دموعهم لمواعظ الزهاد، ثم ينسلون إلى مخادعهم فيخلعون ثياب الورع، وتلعب برؤوسهم بنت الحان، فينادمون الندمان، ويتسرون بالقيان، ويقولون الشعر في الغلمان، وهم في مجونهم لا يتحرجون حين تناديهم جارية لعوب بأمير المؤمنين، أو يخاطبهم مخنث (معتدل القامة والقد) بخليفة المسلمين، مادمنا نتحدث عن وضوح عبد الملك، وصدقه مع نفسه، فلا بأس من قصة طريفة يذكرها السيوطي في كتابه (تاريخ الخلفاء ص 217):
(قال ابن أبي عائشة: أفضى الأمر إلى عبد الملك، والمصحف في حجره فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك).
ونحن لا نجد تناقضاً بين أفعال وأقوال عبد الملك بعد ولايته، وبين ما تـُحدثنا به نفس المراجع عن فقهه وعلمه ومن أمثلة ذلك:
(قال نافع: لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميراً ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك ابن مروان، وقال أبو الزناد: فقهاء المدينة سعيد بن الملك بن مروان، وعروة بن الزبير وقبيصة بن ذؤيب، وقال عبادة بن نسى: قيل لابن عمر: أنكم معشر أشياخ قريش يوشك أن تنقرضوا، فمن نسأل بعدكم؟ فقال: أن لمروان ابنا فيها فسألوه).
نقول لا تناقض على الإطلاق لأن ذلك كله كان قبل ولايته، فلما ولي أدرك أن عهد النسك والعبادة قد ولى، وأطبق المصحف وأطلق شيطان الحكم والإمارة وصدق في قوله للمصحف أن هذا هو آخر العهد به، ودليلنا على ذلك أن ساعده الأيمن كان الحجاج، وإذا ذكر الحجاج هربت الملائكة وأقبلت الشياطين، وقد عرف عبد الملك للحجاج مواهبه وأدرك أنه بالحجاج قد وطد دعائم الحكم وأرسى قواعد الخلافة، فكانت وصيته الأخيرة لولده وولى عهده الوليد أن يحفظ للحجاج صنيعه وأن يلزمه وزيراً ومشيراً، وقد كان.
ربما كان البعض، وما يضيرنا من سيرة رجل أعلن طلاقه للمصحف، وأدار ظهره لكتاب الله، وحكم بهواه، ولنا أن نذكرهم أنه فعل ما فعل، وسفك ما سفك وقتل من قتل، تحت عباءة إمارة المؤمنين، وخلافة المسلمين، وأن المسلمين جميعاً كانوا يرددون خلف أئمتهم كل جمعة دعاء حاراً أن يعز الله به الدين، وأن يوطد له دعائم الحكم والتمكين، وأن يديمه حامياً للإسلام وإماماً المسلمين وأن فقهاء عصره كانوا يرددون حديثاً تذكره لنا كتب التاريخ، مضمونه أن من حكم المسلمين ثلاثة أيام، رفعت عنه الذنوب ولعلنا نظلم عبد الملك كثيراً إذا قيمناه من زاوية العقيدة، فلم يكن عبد الملك فلتة بين من سبقه أو من لحقه، وكان في ميزان السياسة والحكم حاكماً قديراً، ورجل دولة عظيماً بكل المقاييس، فقد أخمد فتنة عبد الله بن الزبير، وغزا أرمينية، وغزا المغرب، وغزا المدن، وحصن الحصون، وضرب الدنانير لأول مرة، ونقل لغة الدواوين من الفارسية إلى العربية، وقد لخص أسلوبه في الحكم في وصيته لابنه الوليد وهو يحتضر:
يا وليد اتق الله فيما أخلفك فيه (لاحظ مفهوم الحكم بالحق الإلهي في هذه العبارة)، وانظر الحجاج فأكرمه فأنه هو الذي وطأ لكم المنابر، وهو سيفك يا وليد ويدك على من ناوأك، فلا تسمعن فيه قول أحد، وأنت أحوج إليه منه إليك، وادع الناس إذا مت إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا – ثم أخذته غفوة فبكى الوليد فأفاق وقال – ما هذا؟ أتحن حنين الأمة؟ إذا مت فشمر وائتزر، والبس جلد النمر، وضع سيفك على عاتقك فمن أبدى ذات نفسه فاضرب عنقه، ومن سكت مات بدائه.)
وقد حفظ الوليد الوصية وقام بها خير قيام فكان رجل دولة وحكم من طراز فريد، وكان فاتحاً عظيما للثغور، فقد فتح الهند والأندلس، وكان أبعد ما يكون عن حديث الدين والعقيدة فلم يذكر عنه فيهما لا قليل ولا كثير، إلا بضعة أقوال عن أنه كان يلحن كثيراً في قراءاته للقرآن، وفي خطبه على المنابر، وقد حكم عبد الملك عشرين عاماً وحكم الوليد عشرة أعوام، أي أن عبد الملك والوليد حكما ثلاثين عاماً من اثنتين وتسعين عاماً هي عمر الدولة الأموية.
تلك الدولة التي لا يجوز أن نتحدث عنها دون أن نتوقف أمام ثلاثة خلفاء هم اليزيدان (يزيد بن معاوية ويزيد بن عبد الملك) والوليد بن يزيد.
أما يزيد بن معاوية، فقتله للحسين معروف، وقد أفاض فيه الرواة بما لا حاجة فيه لمزيد، غير أن هناك حادثة يعبرها الرواة في عجالة، بينما نراها أكثر خطراً من قتل الحسين، لأنها تمس العقيدة في الصميم، وتضع نقاطاً على الحروف إن لم تكن النقاط قد وضعت على الحروف بعد، وتستحق أن يذكرها الرواة، وإن يتدارسها القارئ في أناة، وأن يتذكر أنها حدثت بعد نصف قرن من وفاة الرسول، فقط.. نصف قرن..
لقد هاجم جيش يزيد المدينة، حين خلع أهلها بيعته وقاتل أهلها قليلاً ثم انهزموا فيما سمى بموقعة (الحرة) فأصدر قائد الجيش أوامره باستباحة المدينة ثلاثة أيام قيل أنه قتل فيها أربعة آلاف وخمسمائة، وأنه قد فضت فيها بكارة ألف بكر، وقد كان ذلك كله بأمر يزيد إلى قائد جيشه (مسلم بن عقبة):
ادع القوم ثلاثا فأن أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا ظهرت عليها فأبحها ثلاثاً، فكل ما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس)
ولم يكتف مسلم باستباحة المدينة بل طلب من أهلها أن يبايعوا يزيد على أنهم (عبيد) له، يفعل فيهم وفي أموالهم وفي أولادهم ما يشاء، وهنا يبدأ مسلسل المفاجآت في الإثارة، فالبعض ما زال في ذهنه (وهم) أنه في دولة الإسلام، وأنه قادر على إلزام مسلم ويزيد بالحجة، بما لا سبيل إلى مقاومته أو حتى مناقشته، وهو لا يقبل شروط مسلم، ويرد عليه كأنه يلقمه حجراً: (أبايع على كتاب الله وسنة رسوله).
ولا يعيد مسلم القول، بل يهوى بالسيف على رأس العابد الصادق في رأينا، والرومانسي الحالم في رأى مسلم، ويتكرر نفس المشهد مرات ومرات، هذا يكرر ما سبق، فيقتل، وهذا يبايع على سيرة عمر فيقتل، ويستقر الأمر في النهاية لمسلم، وما كان له إلا أن يستقر، فالسيف هنا أصدق أنباء من الكتب، وهو سيف لا ينطق بلسان ولا يخشع لبيان ويصل الخبر إلى يزيد، فيقول قولاً أسألك أن تتمالك نفسك وأنت تقرؤه، وهو لا يقوله مرسلاً أو منثوراً، بل ينظمه شعراً، اقرأه ثم تخيل وتأمل وانذهل:

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حكت بقباء بركها واستمر القتل في عبد الأشل

والذي يعنينا هو البيت الأول الذي يقول فيه (ليت أجدادي في موقعة بدر شهدوا اليوم كيف جزع الخزرج من وقع الرماح والنبل)
أما من هم أجداده، فواضح أنهم أعداء الخزرج في موقعة بدر، والخزرج أكبر قبائل الأنصار، وكانوا بالطبع في بدر ضمن جيوش المسلمين، وهنا يزداد المعنى وضوحاً، فيزيد خليفة المسلمين، وأمير المؤمنين، يتمنى لو كان أجداده من بني أمية، ممن هزمهم الرسول والمهاجرون والأنصار في بدر، يتمنى لو كانوا على قيد الحياة، حتى يروا كيف انتقم لهم من الأنصار في المدينة، ثم نجد من ينعت الخلافة بالإسلامية.
ولا يتوقف أمام هذه الحادثة لكي يقطع الشك باليقين وليتحسر على الإسلام في يد حكام المسلمين، وليترحم على شهداء الأنصار انتقاماً منهم لمناصرتهم للرسول والإسلام، وعلى يد من، على يد (أمير المؤمنين) وحامي حمى الإسلام والعقيدة، ويروي ابن كثير في (البداية والنهاية) الأبيات السابقة في موضعين أحدهما موقعة الحرة وثانيهما عندما وصل رأس الحسين إلى يزيد.
ولو صدقت الثانية لكانت أنكى وأمر، لأن الانتقام هنا مباشر من الرسول في آل بيته، ويضيف ابن كثير بيتاً يذكره متشككاً دون أن يقطع الشك باليقين، داعياً باللعنة على يزيد إن كان قد قاله والبيت يقول:

لعبت هاشم بالملك فلا ملك جاء ولا وحي نزل

ولعلى استبعد أن يقول يزيد هذا، فللفكر درجات، وللمروق حدود، وللتفلت مدى، وكل ذلك لم يشفع لفقهاء عصر يزيد ولكـُتاب تاريخ الخلافة الإسلامية أن يذكروا أن يزيد مغفور له، وأن ذلك ثابت بالأحاديث النبوية، فابن كثير يذكر (البداية والنهاية – المجلد الرابع الجزء الثامن ص 232.):
(كان يزيد أول من غزا مدينة القسطنطينية في سنة وأربعين.. وقد ثبت في الحديث أن رسول الله قال:"أول جيش يغزوا مدينة قيصر مغفور له")... ولا تعليق
وننتقل إلى يزيد بن عبد الملك، التاسع في الترتيب بين خلفاء بني أمية، وأحد أربعة تولوا الخلافة من أبناء عبد الملك بن مروان هم على الترتيب، الوليد وسليمان ويزيد وهشام، ونحن نخص منهم يزيد بالحديث، لأنه أتى في أعقاب عمر بن عبد العزيز، الذي قيل عنه أنه ملأ الدنيا عدلاً طوال عامين، فإذا بيزيد يأتي بعده لكي يملأها مغاني وشراباً ومجوناً وخلاعة، طوال أربعة أعوام، ويذكر السيوطي (تاريخ الخلفاء ص 246.):
أنه ما أن ولي (حتى أتى بأربعين شيخاً فشهدوا له ما على الخليفة حساب ولا عذاب).
وهنا يدرك القارئ أن العلة لم تقتصر على الخلفاء، وإنما امتدت أيضاً إلى العلماء والفقهاء، وأنه ما دام هؤلاء يفتون أنه لا حساب على يزيد ولا عذاب ولا عقاب، فليفعل يزيد ما يشاء، وليتفوق على خلفاء الدولة الإسلامية كلها في بابين لا يطاوله فيهما أحد وهما العشق والغناء، فقد بدأ خلافته بعشق (سلامة) وانتهت خلافته، بل وحياته بسبب عشقه لجارية أخرى اسمها (حبابة).
وقبل أن نتحدث عن بعض من ذلك، نذكر له أيضاً رغبة تفرد بها بين الخلفاء، وذكرت له، ونقلت عنه، وهي رغبته في أن (يطير)..
وقصة ذلك أنه كان يوماً في مجلسه، فغنته حبابة ثم غنته سلامه (فطرب طرباً شديداً ثم قال: أريد أن أطير، فقالت له حبابة: يا مولاي، فعلى من تدع الأمة وتدعنا)..
طبعاً، ماذا يفعل المسلمون لو طار الخليفة، من يملأ أنحاء الدولة الإسلامية طرباً وغناء، وعشقاً واشتهاء، ويذكر المسعودي (أن أبا حمزه الخارجي قال: اقعد يزيد حبابة عن يمينه وسلامه عن يساره، وقال أريد أن أطير، فطار إلى لعنة الله وأليم عذابه.
ويروي ابن كثير قصة وفاة يزيد على النحو التالي (البداية والنهاية لابن كثير – مجلد 5 جزء 9 ص 242 ويذكر المسعودي نفس الرواية في مروج الذهب ج 3 ص 207):
(وقد كان يزيد هذا يحب حظية من حظاياه يقال لها حبّابة – بتشديد الباء الأولى وكانت جميلة جداً، وكان قد اشتراها في زمن أخيه بأربعة آلاف دينار، من عثمان بن سهل بن حنيف، فقال له أخوه سليمان: لقد هممت أن أحجر على يديك، فباعها، فلما بقى أفضت إليه الخلافة قالت امرأته سعدة يوماً: يا أمير المؤمنين، هل بقى في نفسك من أمر الدنيا شيء؟ قال نعم، حبابة، فبعثت امرأته فاشترتها له ولبستها وصنعتها وأجلستها من وراء الستارة، وقالت له أيضاً: يا أمير المؤمنين، هل بقى في نفسك من أمر الدنيا شيء؟، قال: أو ما أخبرتك؟ فقالت هذه حبابة – وأبرزتها وأخلته بها وتركته وإياها – فحظيت الجارية عنده وكذلك زوجته أيضاً، فقال يوماً أشتهي أن أخلو بحبابة في قصر مدة من الدهر، لا يكون عندنا أحد، ففعل ذلك، وجمع إليه في قصره ذلك حبابة، وليس عنده فيه أحد، وقد فرش له بأنواع الفرش والبسط الهائلة، والنعمة الكثيرة السابغة، فبينما هو معها في ذلك القصر، على أسر حال وأنعم بال، وبين أيديهما عنب يأكلان منه، إذ رماها بحبة عنب وهي تضحك، فشرقت بها وماتت، فمكث أياماً يقبلها ويرشفها وهي ميتة حتى أنتنت وجيفت فأمر بدفنها، فلما دفنها أقام أياماً عندها على قبرها هائماً ثم رجع فما خرج من منزله حتى خرج بنعشه)
والقصة كما يذكرها ابن كثير، نموذج فريد لصحيح العشق، وأصيل الغرام، ولا بأس أن تذوب لها قلوب الصبية، وتنفطر لها قلوب الصبايا، وتسيل من أجلها قلوب المحبين، لكنها – في تقديرنا – شاذة أشد ما يكون الشذوذ، بعيدة أكثر ما يكون البعد، عندما يتعلق الأمر بأمير المؤمنين، وإمام المسلمين، وخادم الحرمين، وحامي حمى الإيمان، والملتزم بأحكام القرآن، وبسنة نبي الرحمن.
ولعلنا نتساءل ومعنا كل الحق، ما بال المطالبين بعودة الخلافة يستنكرون الحانات، ويفسقون المغنيات ويكفرون الراقصات، بينما هذا من ذاك بل هذا بعض ذاك، ولقد عاصر يزيد أئمة كباراً، وفقهاء عظاماً من أمثال الحسن البصري وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وغيرهم، وكانوا أقرب ما يكونون إلى التقية، وكانوا يوصلون بالعطايا ويتحفون بالهدايا، ويؤدون أحياناً دوراً مرسوماً بدقة، محدداً بحنكة، يظهر فيه الخليفة مسبل العينين، يسألهم فيجيبون، ويطلب منهم الموعظة فيعظون، وربما خوفوه من النار، وعذاب الجبار، ووحدة القبر، وموقف الحشر، وهو منصت خاشع، تسيل دموعه مدراراً، بينما هم مدركون لحدود الحديث، ومدى الموعظة، لا يتجاوزون إلى التعريض بالخلافة، أو التهديد بتأليب الرعية، أو الحكم بالكفر، ذلك كله خارج السيناريو المرسوم والمعلوم، والذي ينتهي دائماً بصراخ الخليفة ونحيبه، حتى يخشى عليه أو يغشى عليه، أيهما أقرب إلى قدراته، وأنسب لملكاته، وما أسرع ما ينتقل الأمر إلى الرعية بسرعة البرق، فيتداولونه في خشوع وإيمان، وينقله إلينا كتاب الديوان، فنشربه كما شربته رعية يزيد وغير يزيد، ونشرب معه المزيد، مما تسطره أقلام المحترفين، وتردده على مسامعنا ألسنة المكفرين والجهاديين، ما علينا، ففي الجعبة مزيد.
غير أنا نتوقع أن يعترض علينا معترض، رافعاً في وجهنا ما يراه حجة، منكراً علينا ما أنكرناه على يزيد، مؤكداً لنا أن يزيد لم يرتكب منكراً، ولم يقترف إثماً، فالتسري بالجواري والتمتع بما ملكت الأيمان أمر لا ينكره الشرع، ولا يشترط فيه القران، ولا ينهى عنه القرآن، وهو رخصة ترخص بها يزيد، وترخص بها كبار الصحابة قبل يزيد، والله يحب أن تؤتي رخصة كما تؤتي عزائمه.
وقد كان يزيد ككثيرين في عصرنا، يتعشقون الرخص، ويسبقون بها العزائم، وهنا نقول له قف، وحاذر فأنك تركب صعباً، فنحن وأن وافقناك على أن التسري بالجواري والتمتع بها ملكت الأيمان، لا يتناقض مع روح عصر يزيد، ولا يخالف أحكام القرآن، إلا أنك يجب أن تدرك أن للإسلام روحاً، وللدين جوهراً، وللرخص حدوداً.
وليس منطقياً أن تكون إباحة التسري سبيلاً إلى التهتك، أو التمتع بما ملكت الأيمان وسيلة لهجر الإيمان، أو الحلال سبيلاً إلى التحلل، وإذا كنا نناشد الرعية غض البصر، ونتوعدهم بالعذاب إذا زنى النظر، فلا أقل من أن ننهى الخليفة عن التفرغ للخلوة على أسر حال وأهنأ بال، لاثماً راشفاً متمنياً أن يطير، لا لشيء إلا لأن الله أعطاه جناحين، من مال وسلطان، فتوسع فيما ملكت الأيمان.
ولعل يزيد لم يكن في ذلك فلتة، فقد روي عن الخليفة المتوكل – العباسي أنه: (كان منهمكاً في اللذات والشراب، وكان له أربعة آلاف سرية، ووطىء الجميع) (تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 349 – 350).
وقد تثير هذه القدرات الخارقة لعاب منتجي أفلام (البورنو) في عصرنا الحديث، لكنها ممجوجة مكروهة إن كان الحديث عن الحكام، في الإسلام أو حتى في غير الإسلام، ولعل هذا كاف حتى يلزم المعترض علينا حده، ويثوب إلى رشده، ويتركنا ننتقل من حديث يزيد إلى حديث ولده، الوليد بن يزيد الذي أوصى له يزيد بالخلافة بعد أخيه هشام، ووفى هشام بعهده لأخيه، رغم ما كان يسمعه ويأتيه، من أخبار فسق الوليد ومجونه، وهي أخبار تأكدت بعد ولايته، حين فاق الوليد أباه بل فاق ما عداه، وفعل ما لم يفعله أحد في الأولين والآخرين، حيث يروي عنه أنه قد اشتهر بالمجون وبالشراب وباللواط وصدق أو لا تصدق، برشق المصحف بالسهام، وكان إلى جانب ذلك شاعراً مطبوعاً، سهل العبارة، يحسن اختيار الألفاظ ورويه.
وقد شاء الله أن يروقه هذه الموهبة حتى يخلد لنا آثاره شعراً يتناقله الرواة، ويتبعونه بالعياذ بالله، وبلا حول ولا قوة إلا بالله، وربما بشهادة أن لا إله إلا الله، ومن حسن حظ الوليد، وسوء حظ القارئ أن كثيراً من شعره وبعضاً من قصصه، لا نستطيع روايته لوقاحة ألفاظه، وشذوذ أفعاله، لكن لا بأس أن نبدأ حديث الوليد بالمدافعين عنه:
فقد (قال الذهبي: لم يصح عن الوليد كفر ولا زندقة، بل اشتهر بالخمر والتلوط، فخرجوا عليه لذلك، وذكر الوليد مرة عند المهتدي فقال رجل: كان زنديقاً، فقال المهتدي: مه، خلافة الله عنده أجل من أن يجعلها في زنديق)
هذا حديث المدافعين عن الوليد، المنكرين أن يتهم بالكفر، أو أن يوصف بالزندقة، وهم في دفاعهم يسوقون حججاً هشة، فمن قائل أنه لم يتجاوز التلوط أو شرب الخمر، وكأن ذلك هين ويسير، ومن قائل أن الله أرحم من أن يجعل خلافته في زنديق، بينما نرى أن الله قد رحمنا بخلافة الزنادقة، من أمثال الوليد، حتى يعطي أمثالنا حجة نفحم بها المزايدين، المدعين أن الدولة لا تنفصل عن الدين، وأنهما معاً حبل الإسلام المتين، بينما حقيقة الأمر أن الإسلام في أعلى عليين، وأنه لا يضار إلا بالمسلمين، وعلى رأسهم الحكام باسم الإسلام، وإنه لا ضمان للمحكومين إن جار الحكام وأفسدوا، فبيعتهم مؤبدة، والشورى – إن وجدت – غير مُلزِمة، أو إن شئنا الدقة مقيدة.
وأقرأ معي ما فعل الوليد حين (قرأ ذات يوم –"واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد، من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد"– فدعا بالمصحف فنصبه غرضاً للنشاب"السهام"وأقبل يرميه وهو يقول:

أتوعد كل جبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم الحشر فقل يارب خرقني الوليد

وذكر محمد بن يزيد المبرد"النحوي"أن الوليد ألحد في شعر له ذكر فيه النبي وأن الوحي لم يأته عن ربه، ومن ذلك الشعر:

تلعب بالخلافة هاشمي بلا وحي أتاه ولا كتاب
فقل لله يمنعني طعامي وقل لله يمنعني شرابي

ولعل القارئ بعد قراءة ما سبق لا يذهل كما ذهلنا، ولا ينزعج كما حدث لنا، ونحن نذكر له أن الوليد حاول نصب قبة فوق الكعبة ليشرب فيها عام حج هو ورفاقه وأن حاشيته نجحت في إقناعه أن لا يفعل بعد لأى، وأنه في (تلوطه) راود أخاه عن نفسه، فالواضح من سيرته أنه أطلق لغرائزه العنان، حتى غلبت شهوة الغناء والشراب على الخاصة والعامة في أيامه كما يذكر المسعودي، وتألق نجوم الغناء في عصره، فكان منهم ابن سريج ومعبد والغريض وابن عائشة وابن محرز وطويس ودحمان، ولعله أدرك أنه تجاوز الحد، فلم يعد يعنيه أن يضيف إلى ذنوبه ذنباً، أو إلى سيرته مثلباً، شأنه في ذلك شأن ضعاف الإيمان، حين يقنطون من رحمة الله، فيضاعفون من معاصيهم، ونحن في هذا لا نلتمس له عذراً، وإنما نعبر عن رأيه هو في نفسه، حين أطلقه شعراً فقال:

اسقني يا يزيد بالقرقارة قد طربنا وحنت الزمارة
اسقني اسقني، فإن ذنوبي قد أحاطت فما لها كفارة

وبالفعل، فقد أحاطت به الذنوب، وتألب عليه الصالحون، وانتهى الأمر بخروج ابن عمه يزيد بن الوليد عليه، وقتله، بعد خلافة قصيرة استمرت عاماً وثلاثة أشهر وشاء القدر أن تكون خلافة يزيد أقصر، فلا تستمر إلا خمسة شهور يموت بعدها ليتولاها بعده شقيقه إبراهيم لمدة سبعين يوماً فقط ثم يعزل على يد مروان بن محمد، انتقاماً لمصرع الوليد بن يزيد، ثم ينتهي عصر الدولة الأموية بمصرع مروان على يدي العباسيين، بعد خلافة استمرت حوالي خمس سنوات.
ونتوقف قليلا قبل أن ننتقل إلى خلافة العباسيين، مستخلصين نتيجتين نوجزهما فيما يلي:
النتيجة الأولى:
أننا نشهد في الدولة الأموية عهداً مختلفاً كل الاختلاف عن عهد الراشدين، أضاف إلى فتوحات الإسلام الكثير، حتى امتدت الدولة الإسلامية من الهند شرقاً إلى الأندلس غرباً، وأضاف إلى سلطة الدولة وهيبتها وتماسكها الكثير، حيث لم يخرج فيها أحد من الأمويين على آخر، إلا في نهاية الدولة حين خرج يزيد على الوليد، ثم خرج مروان على يزيد فكان ذلك نذيراً بالنهاية، بينما حفل تاريخ العباسيين بكثير من الخروج والانقسام داخل الأسرة الحاكمة حتى قتل الإبن أباه، والأب ابنه، وشاع خلع الخلفاء وسمل أعينهم، وقتلهم بسحق مذاكيرهم، وغير ذلك من الأحداث على مدى الخمسمائة عام الأخيرة في حكم العباسيين.
وعلى حين يبدو أبو جعفر المنصور، والمأمون، رجال دولة متفردين في تاريخ الدولة العباسية، لا يناظرهم أحد، ولا يطاولهم مطاول، نرى أن الدولة الأموية على قصر عمرها قد حفلت برجال الدولة العظام، وعلى رأسهم معاوية، ورجل الدولة الأول في تاريخ الدولة الإسلامية كلها.
وقد يتساءل البعض، وأين عمر؟
ونرد عليه بأن عمر قد تفرد بأنه الوحيد في تاريخ الخلافة الإسلامية الذي يمكن أن يطلق عليه وصف (رجل الدين والدولة معاً)، بينما لا تجتمع الصفتان بعد ذلك لأحد، فهناك رجال الدين مثل علي بن أبي طالب، (رابع الراشدين)، وعمر بن عبد العزيز، (الأموي)، والمهتدي (العباسي).
وهناك رجال الدولة مثل (معاوية)، (عبد الملك بن مروان)، (الوليد بن عبد الملك)، (هشام بن عبد الملك)، وهم أربعة خلفاء حكموا سبعين عاماً، بينما حكم الفترة الباقية (اثنتين وعشرين عاماً) عشرة خلفاء بالتمام والكمال.
وحينما نذكر أسماء الخلفاء الأربعة السابقين مقترنا بلقب (رجل الدولة)، نضع في اعتبارنا هيبة الحكم، وفتح الثغور، وعمارة البلدان، وفي تقديرنا أن هؤلاء الخلفاء، قد ارتبط ارتباطاً وثيقاً بفصلهم بين الدين والدولة عند قيامهم بأمانة الحكم، ولعل موقف معاوية من (علي) مثال أوضح على ذلك، ولعل موقف عبد الملك بن مروان من المصحف عندما بلغته نبأ ولايته مثال أوضح، وقد أدرك كل منهم أنه لا يولى بصفته الأصلح دنياً، أو الأكثر إيماناً، وإنما يولى بوسائل دنيوية محضة، وعليه إن أراد أن يستمر، أن يضع نصب عينه أن الولاية من جنس التولية، فكلاهما دنيا وسطوة وحكم، وقد أجاد الخلفاء الأربعة اختيار معاونيهم، فكان منهم عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه، ومسلم بن عقبة، والحجاج بن يوسف الثقفي، وهم بموازين السلطة والسطوة رجال، وبمقاييس عصرهم قادة، وهم أهل الدهاء لا النقاء، والسيف لا المصحف، وقد أرتأوا جميعاً أن أسهل السبل لإسكات المعارض قطع رأسه، وأن الخوف إذا تمكن من النفوس توطن فيها، فمكنوه ووطنوه وتعهدوه بالرعاية حتى صار مارداً، وحذوا حذو مؤسس دولتهم معاوية، رجل الغاية لا الوسيلة، رجل الحكمة الشهيرة (إن لله جنوداً من عسل)، حيث يروى عنه أنه كان يضع السم لمعارضيه في العسل، وأنه هكذا كانت نهاية الحسن، والأشتر النخعي وغيرهم، ورغم أن أحداً لا يقر معاوية، أو غيره على فعالهم أو على الأقل لا يدعو للتأسي بهم، إلا أنه من الواجب أن نتعلم مما فعلوا درساً بليغاً...
إن على الحاكم ـ أي حاكم ـ أن يتعرف جيداً على ساحته، وأن يتمسك جيداً بأسلحته، وأن ينأى بنفسه وبحكمه عن استعارة سلاح الآخرين، أو الانتقال إلى ساحتهم، أو الرقص على أنغامهم، ولو حاول معاوية أو عبد الملك، ولو حاول مساعدهم مثل زياد أو الحجاج، أن يحتكموا إلى القرآن، أو يناظروا مخالفيهم حول صحيح الإيمان، أو يفسروا قراراتهم بتعاليم الإسلام، أو يتباهوا على المخالفين لهم والخارجين عليهم بالصلاح والتقوى ونظافة اليد ونقاء السريرة، لانتهي حكمهم قبل أن يبدأ، ولأخلى معاوية مكانه لحجر بن عدى، ولتنازل عبد الملك عن منصبه للحسن البصري، لكنهم احتكموا للسيف، وهو دستور عصرهم، فدانت لهم الدولة، وسهل عليهم الحكم، وربما سعدت الرعية بالاستقرار والأمن والأمان.
ولعل عصرنا لا يخلو من سيف متحضر هو الدستور، لا يسيل دماً وإنما يحفظ استقراراً، ولا يطيح برؤوس وإنما يلزمها جادة الصواب، وليس لحاكم في عصرنا، أو لنظام حكم في عالمنا المعاصر إلا أن يستوعب درس السابقين، بأسلوب العصر لا بأسلوبهم، وليس له أن يحاور الخارجين في ساحتهم، أو بسلاحهم أو أن يرقص على أنغامهم، وإنما عليه أن يلزمهم بالمحاورة في ساحته، فليس أمامه ولا أمامهم ساحة غير ساحة الدستور، وليس هناك من سلاح إلا القانون، وليس هناك من أنغام إلا الديمقراطية والشرعية، ليحمدوا الله أن يجدوا فينا يزيداً، ولم يتطرف منا وليد، ولم يتول وزارة الداخلية في بلادنا حجاج، ولم يتملك منا عبد الملك، ولم يدع أحد من حكامنا أنه لا حساب عليه ولا عقاب، غاية ما في الأمر أنه يوكل إلينا حساب السياسة في أمور السياسة، ويحتكم أمامنا إلى الدستور ومؤسسات الدولة في أمور الحكم، ويترك ونترك حساب الآخرة إلى الله وليس إلى الجماعات الإسلامية أو أئمة المساجد المسيسين.
النتيجة الثانية:
أن الشعر والأدب وفن العمارة والغناء بل وأكثر من ذلك مذاهب الفقه واجتهادات الفقهاء، قد بدأت في الظهور والتألق مع نهاية الدولة الأموية، ومع انحسار القيود (الشكلية) للدولة الدينية ووصلت للغاية في العصر العباسي الأول.
يكاد القارئ يلاحظ علاقة طردية بين دنيوية الدولة وتألق الفكر والأدب والعلوم والفنون والفقه، فحينما تزداد هذه يتألق أولئك، وعلى العكس من ذلك يضمحل كل شيء مع ازدياد سطوة الدين في الدولة الدينية إلا العبادة وقصص الزهاد وأقوال الصالحين.
ولا أحسب أن ما أذكره هنا استنتاج بقدر ما هو حقيقة بسيطة وواضحة، وقد مضى عهد الراشدين، وخلدت لنا كتب التاريخ سكناته وأحداثه، فلم تسمع فيه قصيدة لافتة، أو فنا يطرب أو يهز الوجدان أو يبقى للأجيال، ذلك لأن الفن حرية، والحرية لا تتجزأ، والفنان لا يتألق إلا إذا أحس بفكره طليقاً، وبوجدانه منطلقاً، وبوجدان الآخرين مرحباً، وبأذهانهم سعيدة بإبداعاته، مستعدة أن تغفر له شطحاته، مقبلة على الحياة لا على الموت، متفتحة للنغم لا للوعيد.
ولا أحسب أن ذلك كله جزء من طبيعة الدولة الدينية، بل هو متنافر معها كل التنافر، متناقض مع قواعدها، أشد التناقض، ولعل إحدى مشاكل الداعين للدولة الدينية أنهم يدركون أنها تحجر على كل إبداع أو تفتح أو إجهاد للذهن أو اجتهاد للعقل، وأن كل ما يعيشه الناس ويتقبلونه تقبلاً حسناً، لا يمكن قبوله بمقاييس الدولة الدينية بحال، فالأغاني مرفوضة، والموسيقى مكروهة عدا الضرب على الدفوف، والمغنيات فاجرات نامصات متنمصات، والمتغنون بغير الذكر ومدح الرسول فاسقون يلهون المسلمين عن ذكر الله ويدعونهم إلى الفاحشة، وممارسة المرأة للرياضة فتنة وإثارة للفتن، واختلاطها بالرجال جهر بالفسق، والتمثيل مرفوض لأنه كذب، ولأن هزله جد وجده هزل ورسم الصور للأحياء حرام، وإقامة التماثيل شرك، والديمقراطية مرفوضة لأنها حكم البشر وليس حكم الله، ومعاملة أهل الذمة على قدم المساواة إن لم تكن منكراً فهي مكروهة، ولا ولاية للذمي، وباختصار عليهم أن يهدموا كل شيء، ويظلموا كل شيء، ويمنعوا كل شيء، وأن تقام دولتهم على أنقاض كل شيء، وبديهي أن الحديث في هذا الإطار عن حرية الفكر لغو، وأن ادعاء حرية العقيدة هراء، وأن تصور نهضة الأدب أو الفن نوع من أحلام اليقظة لا يستقيم مع الواقع، ولا يستقيم الواقع معه، ولعل هذا أحد أسباب حرصهم على الامتناع عن بلورة برنامج سياسي متكامل، به قدر قليل من المواعظ والكلمات الطنانة، وقدر كبير من تصور الواقع أو معايشته، وبه قدر ولو معقول من احترام عقولنا، ناهيك عن احترام مشاعرنا.
وننتقل إلى دولة العباسيين...

قراءة جديدة في أوراق العباسيين

ليست الدولة العباسية في حاجة إلى تقديم، فقد قدمت نفسها على يد مؤسسها، السفاح، أول خلفاء بني العباس، المعلن على المنبر يوم مبايعته (أن الله رد علينا حقنا، وختم بنا كما افتتح بنا، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح، والثائر المبير).
وقد أثبت السفاح أنه جدير بالتسمية، فقد بدأ حكمه بقرارين يغنيان عن التعليق وأظن أنه ليس لهما سابقة في التاريخ كله، كما لا أظن أن أحداً بعد السفاح قد بزه فيما أتاه، أو فاقه فيما فعل:
* أما القرار الأول، أو القرار رقم (1) بلغة العصر الحديث فهو أمره بإخراج جثث خلفاء بني أمية من قبورهم، وجلدهم وصلبهم، وحرق جثثهم، ونثر رمادهم في الريح، وتذكر لنا كتب التاريخ ما وجدوه:
فيقول ابن الأثير(الكامل في التاريخ لابن الأثير ):
(فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان فلم يجدوا فيه إلا خيطاً مثل الهباء، ونبش قبر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فوجدوا فيه حطاماً كأنه الرماد، ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجدوا جمجمته، وك